فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (صافات: ٨٨)

پس نظرى به ستارگان افكند.

فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (صافات: ٨٩)

و گفت: من بيمارم [و با شما به مراسم عيد نمى‌آيم‌].

خلاصه:

ستارگان مخلوقات خدا هستند و خداوند در آنها تأثیرات و خواصی قرار داده است که بر امور تا حدودی تأثیرگذار هستند.

متن تفسیر:

فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ‏ أي فتأمل نوعا من التأمل في أحوالها و هو في نفس الأمر على طرز تأمل الكاملين في خلق السماوات و الأرض و تفكرهم في ذلك إذ هو اللائق به عليه السلام لكنه أوهمهم أنه تفكر في أحوالها من الاتصال و التقابل و نحوهما من الأوضاع التي تدل بزعمهم على الحوادث ليرتب عليه ما يتوصل به الى غرضه الذي يكون وسيلة الى إنقاذهم مما هم فيه، و الظاهر بعد اعتبار الإيهام أنه إيهام التفكر في احكام طالع ولادته عليه السلام و ما يدل عليه بزعمهم ما تجدد له من الأوضاع في ذلك الوقت، و هذا من معاريض الأفعال نظير ما وقع في قصة يوسف عليه السلام من تفتيش أوعية اخوته بني علاته قبل وعاء شقيقه فإن المفتش بدأ بأوعيتهم مع علمه أن الصاع ليس فيها و أخر تفتيش و عاء أخيه مع علمه بأنه فيها تعريضا بأنه لا يعرف في أي وعاء هو و نفيا للتهمة عنه لو بدأ بوعاء الأخ فَقالَ أي لهم إِنِّي سَقِيمٌ أراد أنه سيسقم و لقد صدق عليه السلام فإن كل إنسان لا بد أن يسقم و كفى باعتلال المزاج أول سريان الموت في البدن سقاما، و قيل أراد مستعد للسقم الآن أو خارج المزاج عن الاعتدال خروجا قل من يخلو عنه أو سقيم القلب لكفر كم و القوم توهموا أنه أراد قرب اتصافه بسقم لا يستطيع معه الخروج معهم إلى معيدهم، و هو على ما روي عن سفيان و ابن جبير سقم الطاعون فإنهما فسرا سَقِيمٌ بمطعون و كان كما قيل أغلب الأسقام عليهم و كانوا شديدي الخوف منه لاعتقادهم العدوى فيه، و هذا و كذا قوله عليه السلام بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: ۶۳] و قوله في زوجته سارة هي أختي من معاريض الأقوال

كقول نبينا صلّى اللّه عليه و سلم لمن قال له في طريق الهجرة: ممن الرجل؟ من ماء.

حيث أراد عليه الصلاة و السلام ذكر مبدأ خلقه ففهم السائل أنه بيان قبيلته و كقول صاحبه الصديق و قد سئل عنه عليه الصلاة و السلام في ذاك أيضا: هو هاد يهديني حيث أراد شيئا و فهم السائل آخر و لا يعد ذلك كذبا في الحقيقة.

و تسميته به في بعض الأحاديث الصحيحة بالنظر لما فهم الغير منه لا بالنسبة إلى ما قصده المتكلم و جعله ذنبا في حديث الشفاعة قيل لأنه ينكشف لإبراهيم عليه السلام أنه كان منه خلاف الأولى لا أن كل تعريض هو كذلك فإنه قد يجب و الإمام لضيق محرابه و مجاله ينكر الحديث الوارد في ذلك و هو في الصحيحين و يقول: إسناد الكذب إلى راويه أهون من إسناده إلى الخليل عليه السلام، و قد مر الكلام في ذلك، و قيل: كانت له عليه السلام حمى لها نوبة معينة في بعض ساعات الليل فنظر ليعرف هل هي تلك الساعة فإذا هي قد حضرت فقال لهم أبي سقيم، و ليس بشي‏ء من ذلك من المعاريض، و نحوه ما أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: أرسل إليه عليه السلام ملكهم فقال: إن غدا عيدنا فاخرج معنا فنظر إلى نجم فقال: إن ذا النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقم لي.

و أنت تعلم أن النظر المعدى بفي بمعنى التأمل و التفكر و النظر المشار إليه لا يحتاج إلى تفكر، و عن أبي مسلم أن المعنى نظر و تفكر في النجوم ليستدل بأحوالها على حدوثها و أنها لا تصلح أن تكون آلهة فقال: إني سقيم أي سقيم النظر حيث لم يحصل له كمال اليقين انتهى، و هذا لعمري يسلب فيما أرى عن أبي مسلم الإسلام و فيه من الجهل بمقام الأنبياء لا سيما الخليل عليه و عليهم السلام ما يدل على سقم نظره نعوذ باللّه تعالى من خذلانه و مكره.                       

 و أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن نظر نَظْرَةً فِي النُّجُومِ كلمة من كلام العرب تقول إذا تفكر الشخص:نظر في النجوم و عليه فليس هو من المعاريض بل قوله إِنِّي سَقِيمٌ فقط منها و هذا إن أيده نقل من أهل اللغة حسن جدا، و قيل: المعنى نظر في أحوال النجوم أو في علمها أو في كتبها و أحكامها ليستدل على ما يحدث له و النظر فيها للاستدلال على بعض الأمور ليس بممنوع شرعا إذا كان باعتقاد إن اللّه تعالى جعلها علامة عليه و الممنوع الاستدلال باعتقاد أنها مؤثرة بنفسها و الجزم بكلية أحكامها، و قد ذكر الكرماني في مناسكه على ما

قال الخفاجي أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال لرجل أراد السفر في آخر الشهر أ تريد أن تخسر صفقتك و يخيب سعيك اصبر حتى يهل الهلال

انتهى.

و هذا البحث من أهم المباحث فإنه لم يزل معترك العلماء و الفلاسفة الحكماء، و قد وعدنا بتحقيق الحق فيه و بيان كدره و صافيه فنقول و باللّه تعالى التوفيق إلى سلوك أقوم طريق:

اعلم أن بعض الناس أنكروا أن يكون للكواكب تأثير في هذا العالم غير وجود الضياء في المواضع التي تطلع عليها الشمس و القمر و عدمه فيما غابا عنه و ما جرى هذا المجرى، و هذا خروج عن الإنصاف و سلوك في مسالك الجور و الاعتساف، و بعضهم قالوا: إن لها تأثيرا ما يجري على الأمر الطبيعي مثل أن يكون البلد القليل العرض ذا مزاج مائل عن الاعتدال إلى الحر و اليبس و كذا مزاج أهله و تكون أجسامهم ضعيفة و ألوانهم سود و صفر كالنوبة و الحبشة، و أن يكون البلد الكثير العرض ذا مزاج مائل عن الاعتدال إلى البرد و الرطوبة و كذا مزاج أهله و تكون أجسامهم عبلة و ألوانهم بيض و شعورهم شقر مثل الترك و الصقالبة، و مثل نمو النبات و اشتداده و نضج ثمره بالشمس و القمر و نحو ذلك مما يدرك بالحس، و لا بأس في نسبته إلى الكوكب على معنى أن اللّه تعالى أودع فيه قوة مؤثرة فأثر بإذن اللّه تعالى كما ينسب الإحراق إلى النار و الري إلى الماء مثلا على معنى ذلك و هو مذهب السلف على ما قال الشيخ إبراهيم الكوراني في جميع الأسباب و المسببات و صرح به بعض الماتريدية، أو على معنى أن اللّه تعالى خلق ذلك عنده و ليس فيه قوة مؤثرة مطلقا على ما يقوله الأشاعرة في كل سبب و مسبب فلا فرق بين الماء و النار مثلا عندهم في أنه ليس في كل قوة يترتب عليها ما يترتب و إنما الفرق في أنه جرت عادة اللّه تعالى بأن يخلق الإحراق دون الري عند النار دون الماء و يخلق الري دون الإحراق عند الماء دون النار و ليس للنار و الماء مدخل في الأثر من الإحراق و الري سوى أن كلا مقارن لخلق اللّه تعالى الأثر بلا واسطة.

و ظواهر الأدلة مع الأولين و لا ينافي مذهبهم توحيد الأفعال و أن عز و جل خالق كل شي‏ء كما حقق في موضعه.

و بعضهم زعم أن لها تأثيرا يعرفه المنجم غير ذلك كالسعادة و النحوسة و طول العمر و قصره و سعة العيش و ضيقه إلى غير ذلك مما لا يخفى على من راجع كتب أحكام طوالع المواليد و طوالع السنين و الكسوف و الخسوف و الأعمال و نحوها، و هو مما لا ينبغي أن يعول عليه أو يلتفت إليه فليس له دليل عقلي أو نقلي بل الأدلة قائمة على بطلانه متكفلة بهدم أركانه، و القائلون به بعد اتفاقهم على أن الخير و الشر و الإعطاء و المنع و ما أشبه ذلك يكون في العالم بالكواكب على حسب السعود و النحوس و كونها في البروج المنافرة لها أو الموافقة و حسب نظر بعضها إلى بعض بالتسديس و التربيع و التثليث و المقابلة و حسب كونها في شرفها و هبوطها و وبالها و رجعتها و استقامتها و إقامتها اختلفوا في كثير من الأصول و تكلموا بكلام يضحك منه أرباب العقول، و ذلك أنهم اختلفوا في أنه على أي وجه يكون ذلك؟ فزعم قوم منهم أن فعلها بطبائعها، و زعم آخرون أن ذلك ليس فعلا لها لكنها تدل عليه بطبائعها، و زعم آخرون أنها تفعل في البعض بالعرض و في البعض بالذات، و زعم آخرون أنها تفعل بالاختيار لا بالطبع إلا أن السعد منها لا يختار إلا الخير و النحس لا يختار إلا الشر و هذا مع قولهم إنها قد تتفق على الخير و قد تتفق على الشر مما يتعجب منه، و زعم آخرون أنها لا تفعل بالاختيار بل تدل به و هو كلام لا يعقل معناه.                       

 و اختلفوا أيضا فقالت فرقة: من الكواكب ما هو سعد و منها ما هو نحس و هي تسعد غيرها و تنحسه. و قالت أخرى: هي في أنفسها طبيعة واحدة و إنما تختلف دلالتها على السعود و النحوس، و هذا قول من يقول منهم إن للفلك طبيعة مخالفة لطبيعة الأسطقسات الكائنة الفاسدة و أنها لا حارة و لا باردة و لا يابسة و لا رطبة و لا سعد و لا نحس فيها و إنما يدل بعض أجرامها و بعض أجزائها على الخير و البعض على الشر و ارتباط الخير و الشر و السعد و النحس بها ارتباط المدلولات بأدلتها لا ارتباط المعلولات بعللها و هو أعقل من أصحاب القول بالاقتضاء الطبيعي و العلية و إن كان قوله أيضا عند بعض الأجلة ليس بشي‏ء لأن الدلالة الحسية لا تختلف و لا تتناقض.

و اختلفوا أيضا فقالت فرقة تفعل في الأبدان و الأنفس جميعا و هو قول بطليموس و أتباعه، و قال الأكثرون: تفعل في الأنفس دون الأبدان، و لعل الخلاف لفظي، و اختلف رؤساؤهم بطليموس و دوروسوس و أنطيقوس و ريمس و غيرهم من علماء الروم و الهند و بابل في الحدود و غيرها و تضادوا في المواضع التي يأخذون منها دليلهم، و من ذلك اختلافهم في أمر سهم السعادة فزعم بطليموس أنه يعلم بأن يؤخذ أبدا العدد الذي يحصل من موضع الشمس إلى موضع القمر و يبتدى‏ء من الطالع فيرصد منه مثل ذلك العدد على التوالي فمنتهى العدد موضع السهم، و زعم بعضهم أنه يبتدى‏ء من الطالع فيعد مثل ذلك على خلاف التوالي، و زعم بعض الفرس أن سهم السعادة يؤخذ بالليل من القمر إلى الشمس و بالنهار من الشمس إلى القمر، و زعم أهل مصر في الحدود أنها تؤخذ من أرباب البيوت و زعم الكلدانيون أنها تؤخذ من مدبري المثلثات، و اختلفوا أيضا فرتبت طائفة البروج المذكرة و المؤنثة من الطالع فعدوا واحدا مذكرا و آخر مؤنثا و صبروا الابتداء بالمذكر، و قسمت طائفة أخرى البروج أربعة أجزاء و جعلوا المذكرة هي التي من الطالع إلى وسط السماء و التي تقابلها من الغارب إلى وتد الأرض و جعلوا الربعين الباقيين مؤنثين، و مما يضحك العقلاء أنهم جعلوا البروج قسمين حار المزاج و باردة و جعلوا الحار منها ذكرا و البارد أنثى و ابتدؤوا بالحمل فقالوا: هو ذكر حار و الذي بعده مؤنث بارد و هكذا إلى آخرها فصارت ستة ذكورا و ستة إناثا.

و قال بعضهم: الأول ذكر و الثلاثة بعده إناث و الخامس ذكر و الثلاثة بعده إناث و التاسع ذكر و ما بعده إناث فالذكور ثلاثة و بعد كل ذكر إناث ثلاث مخالفة له في الطبيعة، ثم إن هذه القسمة للمذكر و المؤنث ذاتية للبروج و لها قسمة ثانية بالعرض و هي أنهم يبدؤون من الطالع إلى الثاني عشر فيأخذون واحدا ذكرا و آخر أنثى.

و بعضهم يقول هي أربعة أقسام فمن وتد المشرق إلى وتد العاشر ذكر شرقي مجفف سريع، و من وتد العاشر إلى وتد الغارب مؤنث جنوبي محرق وسط، و من وتد الغارب إلى وتد الرابع ذكر معتل رطب غربي بطي‏ء، و من وتد الرابع إلى الطالع مؤنث ذليل مبرد شمالي وسط، و بعض الأوائل منهم لم يقتصر على ذلك بل ابتدأ بالدرجة الأولى من الحمل فقال هي ذكر و الدرجة الثانية أنثى و هكذا إلى آخر الحوت، و لبطليموس هذيان آخر فإنه ابتدأ بأول درجة كل برج ذكر فنسب منها إلى تمام اثنتي عشرة درجة و نصف إلى الذكورية و منه إلى تمام خمس و عشرين درجة إلى الأنوثية ثم قسم باقي البروج إلى قسمين فنسب النصف الأول إلى الذكر و الآخر إلى الأنثى و فعل مثل ذلك في كل برج أنثى، و لدوروسوس هذيان آخر أيضا فإنه يقسم البروج كل برج ثمانية و خمسين دقيقة و مائة و خمسين دقيقة ثم ينظر إلى الطالع فإن كان برجا ذكرا أعطى القسمة الأولى للذكر ثم الثانية للأنثى إلى أن يأتي على البروج كلها و إن كان أنثى أعطى القسمة الأولى للأنثى ثم الثانية للذكر إلى أن يأتي على آخرها، و ما لهم في شي‏ء من ذلك دليل مع أن قولهم ببساطة الفلك يأبى اختلاف أجزائه بالحرارة و البرودة و الذكورة و الأنوثة، و مثل هذيانهم في قسمة الأجزاء الفلكية إلى ما ذكر قسمتهم الكواكب إلى ذلك فزعموا أن القمر و الزهرة مؤنثان و أن الشمس و زحل و المشتري و المريخ مذكرة و إن عطارد ذكر أنثى و أن سائر الكواكب تذكر و تؤنث بسبب الأشكال التي تكون لها بالقياس إلى الشمس و ذلك أنها إذا كانت مشرقة متقدمة على الشمس فهي مذكرة و إن كانت مغربة تابعة كانت مؤنثة و إن ذلك يكون لها بالقياس إلى أشكالها من الأفق، و ذلك أنها إذا كانت في الأشكال التي من المشرق إلى وسط السماء مما تحت الأرض فهي مذكرة و إذا كانت في الربعين الباقيين فهي مؤنثة، و يلزم عليه انقلاب المذكر مؤنثا و المؤنث مذكرا.

و أجاب بعضهم عن هذا الهذيان أنه لا مانع من اتصاف شي‏ء بأمر بالقياس إلى شي‏ء و بضده بالقياس إلى آخر و هو في نفسه غير متصف بشي‏ء منهما كالأدكن فإنه يقال فيه أبيض بالقياس إلى الأسود و أسود بالقياس إلى الأبيض و هو في نفسه لا أسود و لا أبيض فكذا الكواكب يقال إنها ذكران و إناث بالقياس إلى الأشكال أعني الجهات و الجهات إلى الرياح كالصبا و الدبور و الرياح إلى الكيفيات لا أنها ذكران و إناث في أنفسها، و هو تلبيس فإن الأدكن فيه شائبة بياض و سواد فمقتضى التشبيه يلزم أن يكون في الكوكب شائبة ذكورة و أنوثة، و أيضا الظاهر أن الانقسام المذكور بحسب الطبيعة و التأثير و التأثر و لا يكاد بعرف انقلاب الحقيقة و الطبيعة بحسب الموضع و القرب و البعد، و منه يعلم فساد ما قالوا: إن القمر من أول ما يهل إلى وقت انتصافه الأول في الضوء يكون فاعلا للرطوبة خاصة و من ذلك إلى وقت الامتلاء يكون فاعلا للحرارة و منه إلى وقت الانتصاف الثاني في الضوء يكون فاعلا لليبس و من ذلك إلى وقت خفائه يكون فاعلا للبرودة و قاسوا ذلك على تأثيرات الشمس في الفصول و الفرق مثل الشمس ظاهر، و يلزم عليه كون الشهر الواحد ذا فصول و الحس يدفعه، و أيضا كلامهم هذا يخالف ما قالوه من أن قوة القمر الترطيب لقرب فلكه من الأرض و قبوله للبخارات الرطبة التي ترتفع منها إليه، ثم إن هذا القول باطل في نفسه لما أنه يلزم عليه ازدياد رطوبة القمر في كل يوم لو سلم تصاعد البخارات الرطبة إليه و تأثره منها، كذا القول بأن قوة زحل أن يبرد و يجفف تجفيفا يسيرا لبعده عن حرارة الشمس و البخارات الرطبة، و إن قوة المريخ مجففة محرقة لمشاكلة لونه لون النار و لقربه من الشمس، و كوكب الدب الأكبر كالمريخ، و إن عطاردا معتدل في التجفيف و الترطيب لأنه لا يبعد عن الشمس بعدا كثيرا و لا وضعه فوق كرة القمر. و من العجائب استدلال فضلائهم على اختلاف طبائع الكواكب باختلاف ألوانها حيث قالوا: لما كان لون زحل الغبرة و الكمودة حكمنا بأنه على طبع السوداء و هو البرد و اليبس فإن لها من الألوان الغبرة، و لما كان لون المريخ كلون النار قلنا طبعه حار يابس و الحرارة و اليبس في الشمس ظاهرتان، و لما كان لون الزهرة كالمركب من البياض و الصفرة و البياض أظهر فيها قلنا طبعها البرودة و الرطوبة كالبلغم، و لما كان صفرة المشتري أكثر مما في الزهرة كانت سخونته أكثر من سخونة الزهرة و كان في غاية الاعتدال، و أما القمر فهو أبيض و فيه كمودة فيدل بياضه على البرودة.

و أما عطارد فتختلف ألوانه فربما رأيناه أخضر و ربما رأيناه أغبر و ربما رأيناه على خلاف هذين اللونين و ذلك في أوقات مختلفة مع كونه من الأفق على ارتفاع واحد فلا جرم يكون له طبائع مختلفة إلا أنا لما وجدناه في الأغلب أغبر كالأرض قلنا هو مثلها في الطبع، و يرد عليه أن المشاركة في بعض الصفات لا تقتضي المشاركة في الطبيعة و لا في صفة أخرى، و أن دلالة مجرد اللون على الطبيعة ضعيفة جدا لاشتراك الكثير في لون مع اختلاف الطبائع، و أيضا الزرقة أظهر في الزهرة و اختلاف ألوان عطارد لأنّا نراه قريب الأفق فيكون بيننا و بينه بخارات مختلفة، و قال أبو معشر: إن القمر لا ينسب لونه إلى البياض إلا من عدم قوة الحس البصري و فيه بعد ما فيه و لو سلم جميع ما قالوه من اختلاف طبائع البروج و الكواكب بالحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة فقصارى ما يترتب على ذلك ما نجده من اختلاف الأقاليم حرارة و برودة مثلا و اختلاف أشجارها و أثمارها و اختلاف أجسام أهلها و ألوانهم و اختلاف حيواناتها إلى غير ذلك من الاختلافات، و مع هذا نقول: إن الكواكب جزء السبب في ذلك لكن من أين لهم القول بأن جميع الحوادث في هذا العالم خيرها و شرها و صلاحها و فسادها و جميع أشخاصه و أنواعه و صوره و قواه و مدد بقاء أشخاصه و جميع أحوالها العارضة لها و تكوّن الجنين و مدة لبثه في بطن أمه و خروجه إلى الدنيا و عمره و رزقه و شقاوته و حسنه و قبحه و أخلاقه و حذقه و بلادته و جهله و علمه إلى ما لا يحصى من أحواله و انقسام الحيوان إلى الطير و أصنافه و إلى الحيوان البحري و أنواعه و البري و أقسامه و اختلاف صور الحيوانات و أفعالها و أخلاقها و ثبوت العداوة بين أفراد نوع و أفراد نوع آخر منها كالذئاب و الغنم و ثبوت الصداقة كذلك و كذا ثبوت العداوة أو الصداقة بين أفراد النوع الواحد إلى غير ذلك مما يكون في العالم لا يكون إلا بتأثير الكواكب و هو مما لا يكاد يصح لأن طريق صحته إما الخبر الصادق أو الحس الذي يشترك فيه الناس أو ضرورة العقل أو نظره و شي‏ء من هذا كله غير موجود، و لا يمكن الأحكاميين أن يدعوا واحدا من الثلاثة الأول و غايتهم أن يدعوا أن التجربة قادتهم إلى ذلك، و لا شك أن أقل ما لا بد منه فيها أن يحصل ذلك الشي‏ء على حالة واحدة مرتين و الوضع المعين لمجموع الكواكب لا يتكرر أصلا أو يتكرر بعد ألوف ألوف من السنين و عمر الإنسان الواحد بل عمر البشر لا تفي به. و زعم بعضهم لذلك أن مجموع الاتصالات و نسب الكواكب بعضها إلى بعض غير شرط في التأثير لتتوقف التجربة على تكراره بل يكفي بعض الاتصالات و قد يكفي واحد منها و ذلك يتكرر في أزمنة قليلة فتتأتى التجربة، مثلا رداءة السفر و قد نزل القمر برج العقرب يستند إلى هذا النزول بالتجربة فإنا وجدنا تكرر ذلك و ترتب الرداءة عليه كل مرة و هذا هو التجربة و كذا يقال في نظائره، و أنت تعلم أن التجارب التي دلت على كذب ما يقولون بوقوع خلافه أضعاف التجارب التي دلت على صدقه، فقد أجمع حذّاقهم سنة سبع و ثلاثين عام خروج علي كرم اللّه تعالى وجهه إلى صفين على أنه يقتل و يقهر جيشه فانتصر على أهل الشام و لم يقدروا على التخلص إلا بالحيلة، و إن لم يسلم هذا الإجماع فإجماعهم على مثل في خروجه كرم اللّه تعالى وجهه لحرب الخوارج حيث كان القمر في العقرب و قوله رضي اللّه تعالى عنه: نخرج ثقة باللّه تعالى و توكلا عليه سبحانه و تكذيبا لقول المنجم، و نصرته الخارجة عن القياس مما شاع و ذاع و لو قيل بتواتره لم يبعد، و أجمعوا سنة ست و ستين على غلبة عبيد اللّه بن زياد و قد سار بنحو من ثمانين ألف مقاتل على المختار بن أبي عبيد فلقيه إبراهيم بن الأشتر صاحب المختار بأرض نصيبين فيما دون سبعة آلاف مقاتل فقتل من عسكره نحوا من ثلاثة و سبعين ألفا و ضربه و هو لا يعرفه فقتله و لم يقتل من أصحابه أكثر من مائة.

و أجمعوا يوم أسست بغداد سنة ست و أربعين و مائة على أن طالعها يقضي بأنه لا يموت فيها خليفة و شاع ذلك حتى قال بعض شعراء المنصور مهنئا له:

يهنيك منها بلدة تقضى لنا             ان الممات بها عليك حرام‏

لما قضت أحكام طالع وقتها             أن لا يرى فيها يموت إمام‏

 فأول ما ظهر كذب ذلك بقتل الأمين بشارع باب الأنبار فقال بعض الشعراء:

كذب المنجم في مقالته التي             كان ادعاها في بنا بغدان‏

قتل الأمين بها لعمري يقتضي             تكذيبهم في سائر الحسبان‏

 ثم مات فيها جماعة من الخلفاء كالواثق و المتوكل و المعتضد و الناصر و غيرهم إلى أمور أخر لا تكاد تحصى أجمعوا فيها على حكم و تبين كذبهم فيه، على أنه قد يقال لهم: المؤثر في السعود و النحوس و نحوهما هل هو الكوكب وحده أو البرج وحده أو الكوكب بشرط حصوله في البرج؟ فإن قالوا بأحد الأمرين الأولين لزمهم دوام الأثر لدوام المؤثر، و إن قالوا بالثالث لزمهم القول باختلاف البروج في الطبيعة و إلا لا تحدت آثار الكوكب فيها و كلهم مجموعون على أن الفلك بسيط لا تركيب فيه، و التزام التركيب من طبائع مختلفة ينافي قولهم بامتناع الانحلال.

و زعم بعضهم أنها تفعل ما تفعل بالاختيار يستدعي إلغاء أمر الاتصال و الانفصال و المقارنة و الهبوط و نحو ذلك و كون ما ذكر شرطا للاختيار لا يخفى حاله، و القول بأنها تستدعي من حيث طبيعة أشعتها التسخين و التبريد و هما يوجبان اختلاف أمزجة الأبدان و اختلافها يوجب اختلاف أفعال النفس يرد عليه أنا نرى التسخين مثلا يقتضي حرارة وحدة في المزاج يفعل بها شخص غاية الخير و الأفعال الحميدة و آخر غاية الشر و الأفعال الخبيثة فلا بد لهذا الاختلاف من موجب غير التسخين، و أيضا هم يقولون: جميع الحوادث الكونية مستند إلى الكواكب و حديث التسخين و التبريد و استلزامهما اختلاف أفعال النفس لا يتم به هذا الغرض، و ذكر الإمام الرازي عليه الرحمة أن المثبتين لعلم الأحكام و التأثيرات أي من الإسلاميين احتجوا من كتاب اللّه تعالى بآيات و هي أنواع، الأول الآيات الدالة على تعظيم الكواكب فمنها قوله تعالى فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ [التكوير: ۱۵، ۱۶] و أكثر المفسرين على أن المراد هو الكواكب التي تصير راجعة تارة و مستقيمة أخرى، و منها قوله تعالى فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة: ۷۵، ۷۶] و قد صرح سبحانه بتعظيم هذا القسم و ذلك يدل على غاية جلالة مواقع النجوم و نهاية شرفها، و منها قوله تعالى وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: ۱، ۳] قال ابن عباس: الثاقب هو زحل لأنه يثقب بنوره سمك السماوات السبع، و منها قوله تعالى وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [الأعراف: ۵۴] فقد بيّن سبحانه إلهيته بكون هذه الكواكب تحت تدبيره و تسخيره، النوع الثاني ما يدل على وصفه تعالى بعض الأيام بالنحوسة كقوله سبحانه فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ [فصلت: ۱۶] النوع الثالث الآيات الدالة على أن لها تأثيرا في هذا العالم كقوله تعالى فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً [النازعات: ۵] و قوله تعالى فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً [الذاريات: ۴] قال بعضهم المراد هذه الكواكب.

الرابع الآيات الدالة على أنه تعالى جعل حركات هذه الأجرام و خلقها على وجه ينتفع بها في مصالح هذا العالم كقوله تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ [يونس: ۵] و قوله تعالى تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً وَ قَمَراً مُنِيراً [الفرقان: ۶۱].[۱]


[۱] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، جلد ‏۱۲، صفحات ۹۸ تا ۱۱۷