إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزينَةٍ الْكَواكِبِ (صافات: ۶)

ما آسمان اين دنيا را به زيور اختران آراستيم!

وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (صافات: ۷)

و [آن را] از هر شيطان سركشى نگاه داشتيم!

لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى‏ وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (صافات: ۸)

[به طورى كه‌] نمى‌توانند به انبوه [فرشتگان‌] عالَم بالا گوش فرا دهند، و از هر سوى پرتاب مى‌شوند.

دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (صافات: ۹)

با شدت به دور رانده مى‌شوند، و برايشان عذابى دايم است.

إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (صافات: ۱۰)

مگر كسى كه [از سخن بالاييان‌] يكباره استراق سمع كند، كه شهابى شكافنده از پى او مى‌تازد!

فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طينٍ لازِبٍ (صافات: ۱۱)

پس، [از كافران‌] بپرس: آيا ايشان [از نظر] آفرينش سخت‌ترند يا كسانى كه [در آسمانها] خلق كرديم؟ ما آنان را از گِلى چسبنده پديد آورديم.

خلاصه:

خداوند آسمان دنیا یعنی نزدیک‌ترین آسمان به اهل زمین را با ستارگان زینت داد. قبل از بعثت، شیاطین دزدانه سخنان ملائک را شنود می‌کردند ولی با تولد ایشان از رفتن به آسمان‌ها منع شدند و با بعثت ایشان دیگر اجازه استراق سمع را ندارند و با شهاب تیر باران می‌شوند.

متن تفسیر:

إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا أي أقرب السماوات من أهل الأرض فالدنيا هنا مؤنث أدنى بمعنى أقرب أفعل تفضيل بِزِينَةٍ عجيبة بديعة الْكَواكِبِ بالجر بدل من «زينة» بدل كل على أن المراد بها الاسم أي ما يزان به لا المصدر فإن الكواكب بأنفسها و أوضاع بعضها من بعض زينة و أي زينة:                       

فكأن أجرام النجوم لوامعا             درر نثرن على بساط أزرق‏

 و جوز أن تكون عطف بيان. و قرأ الأكثرون بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ بالإضافة على أنها بيانية لما أن الزينة مبهمة صادقة على كل ما يزان به فتقع الكواكب بيانا لها، و يجوز أن تكون لامية على أن الزينة للكواكب أضواؤها أو أوضاعها، و تفسيرها بالأضواء منقول عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، و جوز أن يكون الزينة مصدرا كالنسبة و إضافتها من إضافة المصدر إلى مفعوله أي زينا السماء الدنيا بتزييننا الكواكب فيها أو من إضافة المصدر إلى فاعله أي زيناها بأن زينتها الكواكب. و قرأ ابن وثاب و مسروق بخلاف عنهما و الأعمش و طلحة و أبو بكر «بزينة» منونا «الكواكب» نصبا فاحتمل أن يكون زينة مصدرا و الكواكب مفعول به كقوله تعالى أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً و ليس هذا من المصدر المحدود كالضربة حتى يقال لا يصح أعماله كما نص عليه ابن مالك لأنه وضع مع التاء كالكتابة و الإصابة و ليس كل تاء في المصدر للوحدة، و أيضا ليست هذه الصيغة صيغة الوحدة، و احتمل أن يكون الْكَواكِبِ بدلا من السَّماءَ بدل اشتمال و اشتراط الضمير معه للمبدل منه إذا لم يظهر اتصال أحدهما بالآخر ما قرروه في قوله تعالى قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ [البروج: ۴].

و قيل: اللام بدل منه، و جوز كونه بدلا من محل الجار و المجرور أو المجرور وحده على القولين، و كونه منصوبا بتقدير أعني. و قرأ زيد بن علي رضي اللّه تعالى عنهما «بزينة» منونا «الكواكب» رفعا على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي الكواكب أو فاعل المصدر و رفعه الفاعل قد أجازه البصريون على قلة، و زعم الفراء أنه ليس بمسموع.

و ظاهر الآية أن الكواكب في السماء الدنيا و لا مانع من ذلك و إن اختلفت حركاتها و تفاوتت سرعة و بطأ لجواز أن تكون في أفلاكها و أفلاكها في السماء الدنيا و هي ساكنة و لها من الثخن ما يمكن معه نضد تلك الأفلاك المتحركة بالحركات المتفاوتة و ارتفاع بعضها فوق بعض. و حكى النيسابوري في تفسير سورة التكوير عن الكلبي أن الكواكب في قناديل معلقة بين السماء و الأرض بسلاسل من نور و تلك السلاسل بأيدي الملائكة عليهم السلام، و هو مما يكذبه الظاهر و لا أراه إلا حديث خرافة. و أما ما ذهب إليه جل الفلاسفة من أن القمر وحده في السماء الدنيا و عطارد في السماء الثانية و الزهرة في الثالثة و الشمس في الرابعة و المريخ في الخامسة و المشتري في السادسة و زحل في السابعة و الثوابت في فلك فوق السابعة هو الكرسي بلسان الشرع فمما لا يقوم عليه برهان يفيد اليقين، و على فرض صحته لا يقدح في الآية لأنه يكفي لصحة كون السماء الدنيا مزينة بالكواكب كونها كذلك في رأي العين وَ حِفْظاً نصب على أنه مفعول مطلق لفعل معطوف على زَيَّنَّا أي و حفظناها حفظا أو عطف على «زينة» باعتبار المعنى فإنه معنى مفعول له كأنه قيل: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء و حفظا لها، و العطف على المعنى كثير و هو غير العطف على الموضوع و غير عطف التوهم و جوز كونه مفعولا له بزيادة الواو أو على تأخير العامل أي و لحفظها زيناها. و قوله تعالى:

مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ متعلق بحفظنا المحذوف أو بحفظا، و المارد كالمريد المتعري عن الخيرات من قولهم شجر أمرد إذا تعرى من الورق، و منه قيل رملة مرداء إذا لم تنبت شيئا، و منه الأمرد لتجرده عن الشعر، و فسر هنا أيضا بالخارج عن الطاعة و هو في معنى التعري عنها، و قوله تعالى: لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى‏ أي لا يتسمعون و هذا أصله فأدغمت التاء في السين، و ضمير الجمع لكل شيطان لأنه بمعنى الشياطين.

و قرأ الجمهور «لا يسمعون» بالتخفيف، و الملأ في الأصل جماعة يجتمعون على رأي فيملؤون العيون رواء و النفوس جلالة و بهاء، و يطلق على مطلق الجماعة و على الأشراف مطلقا، و المراد بالملأ الأعلى الملائكة عليهم السلام كما روي عن السدي لأنهم في جهة العلو و يقابله الملأ الأسفل و هم الإنس و الجن لأنهم في جهة السفل.و قال ابن عباس: هم أشراف الملائكة عليهم السلام، و في رواية أخرى عنه أنهم كتابهم، و فسر العلو على الروايتين بالعلو المعنوي.

و تعدية الفعل على قراءة الجمهور بإلى لتضمينه معنى الإصغاء أي لا يسمعون مصغين إلى الملأ الأعلى، و المراد نفي سماعهم مع كونهم مصغين، و فيه دلالة على مانع عظيم و دهشة تذهلهم عن الإدراك، و كذا على القراءة الأخرى و هي قراءة ابن عباس بخلاف عنه. و ابن وثاب و عبد اللّه بن مسلم و طلحة و الأعمش و حمزة و الكسائي و حفص بناء على ما هو الظاهر من أن التفعل لا يخالف ثلاثيه في التعدية، و استعمال تسمع مع إلى لا يقتضي كونه غير مضمن، و قيل لا يحتاج إلى اعتبار التضمين عليها و التفعل مؤذن بالطلب فتسمع بمعنى طلب السماع، قيل: و يشعر ذلك بالإصغاء لأن طلب السماع يكون بالإصغاء فتتوافق القراءتان و إن لم يقل بالتضمين في قراءة التشديد، و لعل الأولى القول بالتضمين و نفي طلبهم السماع مع وقوعه منهم حتى قيل: إنه يركب بعضهم بعضا لذلك إما ادعائي للمبالغة في نفي سماعهم أو هو على ما قيل بعد وصولهم إلى محل الخطر لخوفهم من الرجم حتى يدهشوا عن طلب السماع، و قال أبو حيان: إن نفي التسمع لانتفاء ثمرته و هو السمع. و قال ابن كمال: عدي الفعل في القراءتين بإلى لتضمنه معنى الانتهاء أي لا ينتهون بالسمع أو التسمع إلى الملأ إلا على و ليس بذاك كما لا يخفى على المتأمل الصادق، و الجملة في المشهور مستأنفة استئنافا نحويا و لم يجوز كونها صفة لشيطان قالوا إذ لا معنى للحفظ من شياطين لا تسمع أو لا تسمع مع إيهامه لعدم الحفظ عمن عداها. و كذا لم يجوز كونها استئنافا بيانيا واقعا جواب سؤال مقدر إذ المتبادر أن يؤخذ السؤال من فحوى ما قبله فتقديره حينئذ لم تحفظ فيعود محذور الوصفية، و كذا كونها حالا مقدرة لأن الحال كذلك يقدرها صاحبها و الشياطين لا يقدرون عدم السماع أو عدم التسمع و لا يريدونه، و جوز ابن المنير كونها صفة و المراد حفظ السماوات ممن لا يسمع أولا يسمع بسبب هذا الحفظ، و هو نظير ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا [المؤمنون:۴۴]، وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ [إبراهيم: ۳۳، النحل: ۱۲]، وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ [الأعراف:۵۴] و من هنا لم يجعل بعض الأجلة

قوله عليه الصلاة و السلام «من قتل قتيلا فله سلبه»

من مجاز الأول. و تعقب بأن ذلك خلاف المتبادر و لا يكاد يفهم من أضرب الرجل المضروب كونه مضروبا بهذا الضرب المأمور به لا بضرب آخر قبله، و كذا جوز صاحب الكشف كونها صفة و كونها مستأنفة استئنافا بيانيا أيضا و دفع المحذور و أبعد في ذلك المغزى كعادته في سائر تحقيقاته فقال: المعنى لا يمكنون من السماع مع الإصغاء أو لا يمكنون من التسمع مبالغة في نفي السماع كأنهم مع مبالغتهم في الطلب لا يمكنهم ذلك، و لا بد من ذلك جعلت الجملة وصفا أولا جمعا بين القراءتين و توفية لحق الإصغاء المدلول عليه بإلى و حينئذ يكون الوصف شديد الطباق ورد الاستئناف البياني وارد على تقدير السؤال لم تحفظ؟ «۱» و ليس كذلك بل السؤال عما يكون عند الحفظ و عن كيفيته لأن قوله تعالى وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ مما يحرك الذهن له فقيل لا يَسَّمَّعُونَ جوابا عما يكون عنده و يُقْذَفُونَ لكيفية الحفظ، و هذا أولى من جعلها مبدأ اقتصاص مستطرد لئلا ينقطع ما ليس بمنقطع معنى انتهى.

و استدقه الخفاجي و استحسنه و ذكر أن حاصله أنه ليس المنفي هنا السماع المطلق حتى يلزم ما ظنوه من فساد المعنى لأنه لما تعدى بإلى و تضمن معنى الإصغاء صار المعنى حفظناها من شياطين لا تنصت لما فيها إنصاتا تاما تضبط به ما تقوله الملائكة عليهم السلام، و مآله حفظناها من شياطين مسترقة للسمع، و قوله سبحانه: إِلَّا مَنْ خَطِفَ إلخ ينادي على صحته، و المناقشة بحديث الأوصاف قبل العلم بها أخبار إن جاءت لا تتم فالحديث غير مطرد، و قيل: إن الأصل لأن لا يسمعوا على أن الجار متعلق بحفظا فحذفت اللام كما في جئتك أن تكرمني ثم حذفت أن و رفع الفعل كما في قوله:

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى             و أن أشهد اللذات هل أنت مخلدي‏

 و فيه أن حذف اللام و حذف أن و رفع الفعل و إن كان كل منهما واقعا في الفصيح إلا أن اجتماع الحذفين منكر يصان كلام اللّه تعالى عنه. و أبو البقاء يجوز كون الجملة صفة و كونها استئنافا و كونها حالا فلا تغفل.

وَ يُقْذَفُونَ أي يرمون و يرجمون مِنْ كُلِّ جانِبٍ من جوانب السماء إذا قصدوا الصعود إليها، و ليس المراد أن كل واحد يرمى من كل جانب بل هو على التوزيع أي كل من صعد من جانب رمي منه.

و قرأ محبوب عن أبي عمرو «يقذفون» بالبناء للفاعل و لعل الفاعل الملائكة، و جوز أن يكون الكواكب، و أمر ضمير العقلاء سهل، و قوله تعالى دُحُوراً مفعول له و علة للقذف أي للدحور و هو الطرد و الإبعاد أو مفعول مطلق ليقذفون كقعدت جلوسا لتنزيل المتلازمين منزلة المتحدين فيقام دحورا مقام قذفا أو يُقْذَفُونَ مقام يدحرون، و على التقديرين هو مصدر مؤكد أو حال من ضمير يُقْذَفُونَ على أنه مصدر باسم المفعول على القراءة الشائعة و هو في معنى الجمع لشموله للكثير أي مدحورين، و جوز كونه جمع داحر بمعنى مدحور كقاعد و قعود، و كونه جمع داحر من غير تأويل بناء على القراءة الأخرى، و جوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض و هو الباء على أنه جمع دحر كدهر و دهور و هو ما يدحر به أي يقذفون بدحور. و قرأ السلمي و ابن أبي عبلة و الطبراني عن أبي جعفر «دحورا» بفتح الدال، فاحتمل كونه نصبا بنزع الخافض أيضا و هو على هذه القراءة أظهر لأن فعولا بالفتح بمعنى ما يفعل به كثير كطهور و غسول لما يتطهر و يغسل به، و احتمل أن يكون صفة كصبور لموصوف مقدر أي قذفا دحورا طاردا لهم، و أن يكون مصدرا كالقبول و فعول في المصادر نادر و لم يأت في كتب التصريف منه إلا خمسة أحرف الوضوء و الطهور و الولوع و الوقود و القبول كما حكي عن سيبويه و زيد عليه الوزوع بالزاي المعجمة و الهوى بفتح الهاء بمعنى السقوط و الرسول بمعنى الرسالة. وَ لَهُمْ أي في الآخرة عَذابٌ آخر غير ما في الدنيا من عذاب الرجم بالشهب واصِبٌ أي دائم كما قال قتادة و عكرمة و ابن عباس و أنشدوا لأبي الأسود:

لا أشتري الحمد القليل بقاؤه             يوما بذم الدهر أجمع واصبا

 و فسره بعضهم بالشديد، قيل و الأول حقيقة معناه و هذا تفسير له بلازمه. و الآية على ما سمعت كقوله تعالى:

وَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ [الملك: ۵] و جوز أبو حيان أن يكون هذا العذاب في الدنيا و هو رجمهم دائما و عدم بلوغهم ما يقصدون من استراق السمع إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ استثناء متصل من واو يَسَّمَّعُونَ و مَنْ بدل منه على ما ذكره الزمخشري و متابعوه، و قال ابن مالك: إذا فصل بين المستثنى و المستثنى منه فالمختار النصب لأن الإبدال للتشاكل و قد فات بالتراخي، و ذكره في البحر هنا وجها ثانيا، و قيل: هو منقطع على أن مَنْ شرطية جوابها الجملة المقرونة بالفاء بعد و ليس بذاك، و الخطف الاختلاس و الأخذ بخفة و سرعة على غفلة المأخوذ منه، و المراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة كما يعرف عنه تعريف الخطفة بلام العهد لأن المراد بها أمر معين معهود فهي نصب على المصدرية، و جوز أن تكون مفعولا به على إرادة الكلمة. و قرأ الحسن و قتادة «خطّف» بكسر الخاء و الطاء مشددة، قال أبو حاتم: و يقال هي لغة بكر بن وائل و تميم بن مر و الأصل اختطف فسكنت التاء للإدغام و قبلها خاء ساكنة فالتقى ساكنان فحركت الخاء بالكسر على الأصل و كسرت الطاء للاتباع و حذفت ألف الوصل للاستغناء عنها. و قرى‏ء «خطّف» بفتح الخاء و كسر الطاء مشددة و نسبها ابن خالويه إلى الحسن و قتادة و عيسى، و استشكلت بأن فتح الخاء سديد لإلقاء حركة التاء عليها، و أما كسر الطاء فلا وجه له، و قيل في توجيهها: إنهم نقلوا حركة الطاء إلى الخاء و حذفت ألف الوصل ثم قلبوا التاء و أدغموا و حركوا الطاء بالكسر على أصل التقاء الساكنين و هو كما ترى، و عن ابن عباس «خطف» بكسر الخاء و الطاء مخففة أتبع على ما في البحر حركة الخاء لحركة الطاء كما قالوا نعم فَأَتْبَعَهُ أي تبعه و لحقه على أن أتبع من الأفعال بمعنى تبع الثلاثي فيتعدى لواحد شِهابٌ هو في الأصل الشعلة الساطعة من النار الموقدة، و المراد به العارض المعروف في الجو الذي يرى كأنه كوكب منقض من السماء ثاقِبٌ مضي‏ء كما قال الحسن و قتادة كأنه ثقب الجو بضوئه، و أخرج ابن أبي شيبة و عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن يزيد الرقاشي أنه قال: يثقب الشيطان حتى يخرج من الجانب الآخر فذكر ذلك لأبي مجلز فقال: ليس ذاك و لكن ثقوبه ضوءه، و أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد «الثاقب» المتوقد و هو قريب مما تقدم.

و أخرج عن السدي «الثاقب» المحرق، و ليست الشهب نفس الكواكب التي زينت بها السماء فإنها لا تنقض و إلا لا نتقصت زينة السماء بل لم تبق، على أن المنقض إن كان نفس الكواكب بمعنى أنه ينقلع عن مركزه و يرمي به الخاطف فيرى لسرعة الحركة كرمح من نار لزم أن يقع على الأرض و هو إن لم يكن أعظم منها فلا أقل من أن ما انقض من الكواكب من حين حدث الرمي إلى اليوم أعظم منها بكثير فيلزم أن تكون الأرض اليوم مغشية بإجرام الكواكب و المشاهدة تكذب ذلك بل لم نسمع بوقوع جرم كوكب أصلا.

و أصغر الكواكب عند الإسلاميين كالجبل العظيم، و عند الفلاسفة أعظم و أعظم بل صغار الثوابت عندهم أعظم من الأرض و إن التزم أنه يرمى به حتى إذا تم الغرض رجع إلى مكانه قيل عليه: إنه حينئذ يلزم أن يسمع لهويه صوت هائل فإن الشهب تصل إلى محل قريب من الأرض، و أيضا عدم مشاهدة جرم كوكب هابطا أو صاعدا يأبى احتمال انقلاع الكوكب و الرمي به نفسه، و إن كان المنقض نوره فالنور لا أذى فيه فالأرض مملوءة من نور الشمس و حشوها الشياطين، على أنه إن كان المنقض جميع نوره يلزم انتقاص الزينة أو ذهابها بالكلية، و إن كان بعض نوره يلزم أن تتغير أضواء الكواكب و لم يشاهد في شي‏ء منها ذلك، و أمر انقضاضه نفسه أو انفصال ضوئه على تقدير كون الكواكب الثوابت في الفلك الثامن المسمى بالكرسي عند بعض الإسلاميين و إنه لا شي‏ء في السماء الدنيا سوى القمر أبعد و أبعد. و الفلاسفة يزعمون استحالة ذلك لزعمهم عدم قبول الفلك الخرق و الالتئام إلى أمور أخر، و يزعمون في الشهب أنها أجزاء بخارية دخانية لطيفة وصلت كرة النار فاشتعلت و انقلبت نارا ملتهبة فقد ترى ممتدة إلى طرف الدخان ثم ترى كأنها طفئت و قد تمكث زمانا كذوات الأذناب و ربما تتعلق بها نفس على ما فصلوه، و هم مع هذا لا يقولون بكونها ترمى بها الشياطين بل هم ينكرون حديث الرمي مطلقا، و في النصوص الإلهية رجوم لهم، و لعل أقرب الاحتمالات فى أمر الشهب أن الكوكب يقذف بشعاع من نوره فيصل أثره إلى هواء و تكيف بكيفية مخصوصة يقبل بها الاشتعال بما يقع عليه من شعاع الكوكب بالخاصية فيشتعل فيحصل ما يشاهد من الشهب، و إن شئت قلت: إن ذلك الهواء المتكيف بالكيفية المخصوصة إذا وصل إلى محل مخصوص من الجو أثرت فيه أشعة الكواكب بما أودعه اللّه تعالى فيها من الخاصية فيشتعل فيحصل ما يحصل، و تأثير الأشعة الحرق في القابل له مما لا ينكر فإنا نرى شعاع الشمس إذا قوبل ببعض المناظر على كيفية مخصوصة أحرق قال الإحراق و لو توسط بين المنظرة و بين القابل إناء بلور مملوء ماء، و يقال: إن اللّه تعالى يصرف ذلك الحاصل إلى الشيطان المسترق للسمع و قد يحدث ذلك و ليس هناك  مسترق، و يمكن أن يقال: إنه سبحانه يخلق الكيفية التي بها يقبل الهواء الإحراق في الهواء الذي في جهة الشيطان، و لعل قرب الشيطان من بعض أجزاء مخصوصة من الهواء معد بخاصية أحدثها اللّه تعالى فيه لخلقه عز و جل تلك الكيفية في ذلك الهواء القريب منه مع أنه عز و جل يخلق تلك الكيفية في بعض أجزاء الهواء الجوية حيث لا شيطان هناك أيضا.

و إن شئت قلت: إنه يخرج شؤبوب من شعاع الكوكب فيتأذى به المارد أو يحترق، و اللّه عز و جل قادر على أن يحرق بالماء و يروى بالنار و المسببات عند الأسباب لا بها و كل الأشياء مسندة إليه تعالى ابتداء عند الأشاعرة، و لا يلزم على شي‏ء مما ذكر انتقاص ضوء الكوكب، و لو سلم أنه يلزم انتقاص على بعض الاحتمالات قلنا: إنه عز و جل يخلق بلا فصل في الكوكب بدل ما نقص منه و أمره سبحانه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.

و لا ينافي ما ذكرنا قوله تعالى: وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [الملك: ۵] لأن جعلها رجوما يجوز أن يكون لأنه بواسطة وقوع إشعاع على ما ذكرنا من الهواء تحدث الشهب فهي رجوم بذلك الاعتبار و لا يتوقف جعلها رجوما على أن تكون نفسها كذلك بأن تنقلع عن مراكزها و يرجم بها، و هذا كما تقول: جعل اللّه تعالى الشمس يحرق بها بعض الأجسام فإنه صادق فيما إذا أحرق بها بتوسيط بعض المناظر و انعكاس شعاعها على قابل الإحراق. و زعم بعض الناس أن الشهب شعل نارية تحدث من أجزاء متصاعدة إلى كرة النار و هي الرجوم و لكونها بواسطة تسخين الكواكب للأرض قال سبحانه: وَ جَعَلْناها رُجُوماً على التجوز في إسناد الجعل إليها أو في لفظها، و لا يخفى أن كرة النار مما لم تثبت في كلام السلف و لا ورد فيها عن الصادق عليه الصلاة و السلام خبر، و قيل:

يجوز أن تكون المصابيح هي الشهب و هي غير الكواكب و زينة و السماء بالمصابيح لا يقتضي كونها فيها حقيقة إذ يكفي كونها في رأي العين ذلك، و قيل: يجوز أن يراد بالسماء جهة العلو و هي مزينة بالمصابيح و الشهب كما هي مزينة بالكواكب. و تعقب هذا بأن وصف السماء بالدنيا يبعد إرادة الجهة منها. و تعقب ما قبله بأن المتبادر أن المصابيح هي الكواكب و لا يكاد يفهم من قوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ و قوله سبحانه:

وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ إلا شي‏ء واحد، و أن كون الشهب المعروفة زينة السماء مع سرعة تقضيها و زوالها و ربما دهش من بعضها مما لا يسلم، و القول بأنه يجوز اطلاق الكوكب على الشهاب للمشابهة فيجوز أن يراد بالكواكب ما يشمل الشهب و زينة السماء على ما مر آنفا زيد فيه على ما تقدم ما لا يخفى ما فيه، نعم يجوز أن يقال:

إن الكوكب ينفصل منه نور إذا وصل إلى محل مخصوص من الجو انقلب نارا و رؤى منقضا و لا يعجز اللّه عز و جل شي‏ء، و قد يقال: إن في السماء كواكب صغارا جدا غير مرئية و لو بالأرصاد لغاية الصغر و هي التي يرمي بها أنفسها، و قوله تعالى: وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ من باب عندي درهم و نصفه و إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَ حِفْظاً الآية إن كان على معنى و حفظا بها فهو من ذلك الباب أيضا و إلا فالأمر أهون فتدبر. و اختلف في أن المرجوم هل يهلك بالشهاب إذا أصابه أو يتأذى به من غير هلاك فعن ابن عباس أن الشياطين لا تقتل بالشهاب و لا تموت و لكنها تحرق و تخبل أي يفسد منها بعض أعضائها، و قيل تهلك و تموت و متى أصاب الشهاب من اختطف منهم كلمة قال للذي يليه كان كذا و كذا قبل أن يهلك، و لا يأبى تأثير الشهاب فيهم كونهم مخلوقين من النار لأنهم ليسوا من النار الصرفة كما أن الإنسان ليس من التراب الخالص مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة استهلكتها، و أيا ما كان لا يقال: إن الشياطين ذوو فطنة فكيف يعقل منهم العود إلى استراق السمع مرة بعد مرة مع أن المسترق يهلك أو يتأذى الأذى الشديد و استمرار انقضاض الشهب دليل استمرار هذا الفعل  منهم لأنا نقول: لا نسلم استمرار هذا الفعل منهم و استمرار الانقضاض ليس دليلا عليه لأن الانقضاض ليس دليلا عليه لأن الانقضاض يكون للاستراق و يكون لغيره فقد أشرنا فيما سبق أن الهواء قد يتكيف بكيفية مخصوصة فيحترق بسبب أشعة الكواكب و إن لم يكن هناك مسترق، و قيل: يجوز أن ترى الشهب لتعارض في الأهوية و اصطكاك يحصل منه ما ترى كما يحصل البرق باصطكاك السحاب على ما روي عن بعض السلف و حوادث الجو لا يعلمها إلا اللّه تعالى فيجوز أن يكونوا قد استرقوا أولا فشاهدوا ما شاهدوا فتركوا و استمرت الشهب تحدث لما ذكر لا لاستراق الشياطين، و يجوز أن يقع أحيانا ممن حدث منهم و لم يعلم بما جرى على رؤوس المسترقين قبله أو ممن لا يبالي بالأذى و لا بالموت حبا لأن يقال ما أجسره أو ما أشجعه مثلا كما يشاهد في كثير من الناس يقدمون في المعارك على ما يتيقنون هلاكهم به حبا لمثل ذلك، و لعل في وصف الشيطان بالمارد ما يستأنس به لهذا الاحتمال، و أما ما قيل: إن الشهاب قد يصيب الصاعد مرة و قد لا يصيب كالموج لراكب السفينة و لذلك لا يرتدعون عنه رأسا فخلاف المأثور، فقد أخرج ابن أبي حاتم و أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: إذا رمي بالشهاب لم يخطى‏ء من رمي به، ثم إن ما ذكر من احتمال أنهم قد تركوا بعد أن صحت عندهم التجربة لا يتم إلا على ما روي عن الشعبي من أنه لم يقذف بالنجوم حتى ولد النبي صلّى اللّه عليه و سلم فلما قذف بها جعل الناس يسيبون أنعامهم و يعتقون رقيقهم يظنون أنه القيامة فأتوا عبد يا ليل الكاهن و قد عمي و أخبروه بذلك فقال: انظروا إن كانت النجوم المعروفة من السيارة و الثوابت فهو قيام الساعة و إلا فهو أمر حادث فنظروا فإذا هي غير معروفة فلم يمض زمن حتى أتى خبر النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و وافق على عدم حدوثه قبل ابن الجوزي في المنتظم لكنه قال: إنه حدث بعد عشرين يوما من مبعثه، و الصحيح أن القذف كان قبل ميلاده عليه الصلاة و السلام، و هو كثير في أشعار الجاهلية إلا أنه يحتمل أنه لم يكن طاردا للشياطين و أن يكون طاردا لهم لكن لا بالكلية و أن يكون طاردا لهم بالكلية، و على هذا لا يتأتى الاحتمال السابق، و على الاحتمال الأول من هذه الاحتمالات يكون الحادث يوم الميلاد طردهم بذلك، و على الثاني طردهم بالكلية و تشديد الأمر عليهم لينحسم أمرهم و تخليطهم و يصح الوحي فتكون الحجة أقطع، و الذي يترجح أنه كان قبل الميلاد طاردا لكن لا بالكلية فكان يوجد استراق على الندرة و شدد في بدء البعثة، و عليه يراد بخبر لم يقذف بالنجوم حتى ولد النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه لم يكثر القذف بها، و على هذا يخرج غيره إذا صح كالخبر المنقول في السير أن إبليس كان يخترق السماوات قبل عيسى عليه السلام فلما بعث أو ولد حجب عن ثلاث سماوات و لما ولد النبي صلّى اللّه عليه و سلم حجب عنها كلها و قذفت الشياطين بالنجوم فقالت قريش: قامت الساعة فقال عتبة بن ربيعة: انظروا إلى العيوق فإن كان رمي به فقد آن قيام الساعة و إلا فلا و إلا فلا، و قال بعضهم: اتفق المحدثون على أنه كان قبل لكن كثر و شدد لما جاء الإسلام و لذا قال تعالى مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً [الجن: ۸] و لم يقل حرست، و بالجملة لا جزم عندنا بأن ما يقع من الشهب في هذه الأعصار و نحوها رجوم للشياطين و الجزم بذلك رجم بالغيب هذا و قد استشكل أمر الاستراق بأمور، منها أن الملائكة في السماء مشغولون بأنواع العبادة أطت السماء و حق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا و فيه ملك قائم أو راكع أو ساجد فما ذا تسترق الشياطين منهم؟ و إذا قيل: إن منهم من يتكلم بالحوادث الكونية فهم على «محدبها» و الشياطين تسترق تحت مقعرها و بينهما كما صح في الأخبار خمسمائة عام فكيف يتأتى السماع لا سيما و الظاهر أنهم لا يرفعون أصواتهم إذا تكلموا بالحوادث إذ لا يظهر غرض برفعها، و على تقدير أن يكون هناك رفع صوت فالظاهر أنه ليس بحيث يسمع من مسيرة خمسمائة عام. و على تقدير أن يكون بهذه الحيثية فكرة الهواء تنقطع عند كرة النار و لا يسمع صوت بدون هواء.

و أجيب بأن الاستراق من ملائكة العنان و هم يتحدثون فيما بينهم بما أمروا به من السماء من الحوادث الكونية.

و لَمَسْنَا السَّماءَ [الجن: ۸] طلبنا خبرها أو من الملائكة النازلين من السماء بالأمر فإن ملائكة على أبواب السماء و من حيث ينزلون يسألونهم بما ذا تذهبون؟ فيخبرونهم، و ليس الاستراق من الملائكة الذين على محدب السماء، و أمر كرة النار لا يصح، و الهواء غير منقطع و هو كلما رق و لطف كأن أعون على السماع، على أن وجود الهواء مما لا يتوقف عليه السماع على أصول الأشاعرة و مثله عدم البعد المفرط، و ظاهر خبر

أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة أن الاستراق من الملائكة في السماء قال: «إذا قضى اللّه تعالى أمرا تكلم تبارك و تعالى فتخر الملائكة كلهم سجدا فتحسب الجن أن أمرا يقضى فتسترق فإذا فزع عن قلوب الملائكة عليهم السلام و رفعوا رءوسهم قالوا: ما ذا قال ربكم؟ قالوا جميعا: الحق و هو العلي الكبير»

و

جاء في خبر أخرجه ابن أبي شيبة و عبد بن حميد و ابن المنذر عن إبراهيم التيمي «إذا أراد ذو العرش أمرا سمعت الملائكة كجر السلسلة على الصفا فيغشى عليهم فإذا قاموا قالوا: ما ذا قال ربكم؟ قال من شاء: اللّه الحق و هو العلي الكبير»

و لعله بعد هذا الجواب يذكر الأمر بخصوصه فيما بين الملائكة عليهم السلام، و ظاهر ما جاء في بعض الروايات عن ابن عباس من تفسير الملأ الأعلى بكتبة الملائكة عليهم السلام أيضا أن الاستراق من ملائكة في السماء إذ الظاهر أن الكتبة في السماء، و لعله يتلى عليهم من اللوح ما يتلى فيكتبونه لأمر ما فتطمع الشياطين باستراق شي‏ء منه، و أمر البعد كأمر الهواء لا يضر في ذلك على الأصول الأشعرية، و يمكن أن يدعى أن جرم السماء لا يحجب الصوت و إن كثف، و كم خاصية أثبتها الفلاسفة للأفلاك ليس عدم الحجب أغرب منها. و منها أنه يغني عن الحفظ من استراق الشياطين عدم تمكينهم من الصعود إلى حيث يسترق السمع، أو أمر الملائكة عليهم السلام بإخفاء كلامهم بحيث لا يسمعونه، أو جعل لغتهم مخالفة للغتهم بحيث لا يفهمون كلامهم.

و أجيب بأن وقوع الأمر على ما وقع من باب الابتلاء، و فيه أيضا من الحكم ما فيه، و لا يخفى أن مثل هذا الإشكال يجري في أشياء كثيرة إلا أن كون الصانع حكيما و أنه جل شأنه قد راعى الحكمة فيما خلق و أمر على أتم وجه حتى قيل: ليس في الإمكان أبدع مما كان يحل ذلك و لا يبقى معه سوى تطلب وجه الحكمة و هو مما يتفضل اللّه تعالى به على من يشاء من عباده، و الكلام في هذا المقام قد مر شي‏ء منه فارجع إليه، و مما هنا و ما هناك يحصل ما يسر الناظرين و يرضي العلماء المحققين.

فَاسْتَفْتِهِمْ أي فاستخبرهم، و أصل الاستفتاء الاستخبار عن أمر حدث، و منه الفتى لحداثة سنه، و الضمير لمشركي مكة، قيل: و الآية نزلت في أبي الأشد بن كلدة الجمحي و كني بذلك لشدة بطشه و قوته و اسمه أسيد، و الفاء فصيحة أي إذا كان لنا من المخلوقات ما سمعت أو إذا عرفت ما مر فاستخبر مشركي مكة و اسألهم على سبيل التبكيت أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أي أقوى خلقة و أمتن بنية أو أصعب خلقا و أشق إيجادا أَمْ مَنْ خَلَقْنا من الملائكة و السماوات و الأرض و ما بينهما و المشارق و الكواكب و الشياطين و الشهب الثواقب. و تعريف الوصول عهدي أشير به إلى ما تقدم صراحة و دلالة و غلب العقلاء على غيرهم و الاستفهام تقريري، و جوز أن يكون إنكاريا، و في مصحف عبد اللّه «أم من عددنا» و هو مؤيد لدعوى العهد بل قاطع بها. و قرأ الأعمش «أ من» بتخفيف الميم دون أم جعله استفهاما ثانيا تقريريا فمن مبتدأ خبره محذوف أي أمن خلقنا أشد إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ أي ملتصق كما أخرج ذلك ابن جرير و جماعة عن ابن عباس، و في رواية أرى بلفظ ملتزق و به أجاب ابن الأزرق و أنشد له قول النابغة:

فلا تحسبون الخير لا شر بعده             و لا تحسبون الشر ضربة لازب‏

قيل: و المراد ملتزق بعضه ببعض، و بذلك فسره ابن مسعود كما أخرجه ابن أبي حاتم و يرجع إلى حسن العجن‏ جيد التخمير، و

أخرج ابن المنذر و غيره عن قتادة أنه يلزق باليد إذا مس بها، و

قال الطبري: خلق آدم من تراب و ماء و هواء و نار

و هذا كله إذا خلط صار طينا لازبا يلزم ما جاوره، و اللازب عليه بمعنى اللازم و هو قريب مما تقدم، و قد قرئ «لازم» بالميم بدل الباء و «لاتب» بالتاء بدل الزاي و المعنى واحد. و حكي في البحر عن ابن عباس أنه عبر عن اللازب بالحر أي الكريم الجيد، و في رواية أنه قال: اللازب الجيد.

و أخرج عبد بن حميد و ابن المنذر عن مجاهد أنه قال: لازب أي لازم منتن، و لعل وصفه بمنتن مأخوذ من قوله تعالى مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* [الحجر: ۲۶، ۲۷، ۳۳] لكن أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: اللازب و الحمأ و الطين واحد كان أوله ترابا ثم صار حمأ منتنا ثم صار طينا لازبا فخلق اللّه تعالى منه آدم عليه السلام.

و أيا ما كان فخلقهم من طين لازب إما شهادة عليهم بالضعف و الرخاوة لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة و القوة أو احتجاج عليهم في أمر البعث بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه في ضمن خلق أبيهم آدم عليه السلام تراب فمن أين استنكروا أن يخلقوا منه مرة ثانية حيث قالوا أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* [المؤمنون: ۸۲، الصافات: ۱۶، الواقعة: ۴۷] و يعضد هذا على ما في الكشاف ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث.[۱]


[۱] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، جلد ‏۱۲، صفحات ۶۷ تا ۷۴