وَ كَذلِكَ نُري إِبْراهيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنينَ (انعام: ۷۵)

و اين گونه، ملكوت آسمانها و زمين را به ابراهيم نمايانديم تا از جمله يقين‌كنندگان باشد.

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى‏ كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلينَ (انعام: ۷۶)

پس چون شب بر او پرده افكند، ستاره‌اى ديد؛ گفت: «اين پروردگار من است.» و آنگاه چون غروب كرد، گفت: «غروب‌كنندگان را دوست ندارم.»

فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِني‏ رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (انعام: ۷۷)

و چون ماه را در حال طلوع ديد، گفت: «اين پروردگار من است.» آنگاه چون ناپديد شد، گفت: «اگر پروردگارم مرا هدايت نكرده بود قطعاً از گروه گمراهان بودم.»

فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَري‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (انعام: ۷۸)

پس چون خورشيد را برآمده ديد، گفت: «اين پروردگار من است. اين بزرگتر است.» و هنگامى كه افول كرد، گفت: «اى قوم من، من از آنچه [براى خدا] شريك مى‌سازيد بيزارم.»

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكينَ (انعام: ۷۹)

من از روى اخلاص، پاكدلانه روى خود را به سوى كسى گردانيدم كه آسمانها و زمين را پديد آورده است؛ و من از مشركان نيستم.

وَ حاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَ قَدْ هَدانِ وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ (انعام: ۸۰)

و قومش با او به ستيزه پرداختند. گفت: «آيا با من در باره خدا محاجّه مى‌كنيد و حال آنكه او مرا راهنمايى كرده است؟ و من از آنچه شريك او مى‌سازيد بيمى ندارم، مگر آنكه پروردگارم چيزى بخواهد. علم پروردگارم به هر چيزى احاطه يافته است. پس آيا متذكّر نمى‌شويد؟»

وَ كَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَ لا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَريقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (انعام: ۸۱)

و چگونه از آنچه شريك [خدا] مى‌گردانيد بترسم، با آنكه شما خود از اينكه چيزى را شريك خدا ساخته‌ايد كه [خدا] دليلى در باره آن بر شما نازل نكرده است نمى‌هراسيد؟ پس اگر مى‌دانيد، كدام يك از [ما] دو دسته به ايمنى سزاوارتر است؟

خلاصه:

ملکوت یعنی ملک عظیم و سلطنت بلا منازع و این واژه فقط برای خدا به کار می رود. خداوند آسمان‌های هفتگانه را شکافت تا ابراهیم(ع) به عجایب آنها نظر کند، تا جایی که نگاه او به عرش الهی رسید و زمین‌های هفتگانه را شکافت تا او به آنچه در آنهاست نظر کند و به این ترتیب دلائل ربوبیت را مشاهده کرد و به عین الیقین رسید. سپس در ماجرای ماه و خورشید و ستارگان با قومش احتجاج کرد و به آنها نشان داد موجودی که افول می‌کند حادث است و نمی‌تواند خالق باشد.

متن تفسیر:

وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ هذه الإراءة من الرؤية البصرية المستعارة استعارة لغوية للمعرفة من إطلاق السبب على المسبب أي عرفناه و بصرناه، و كان الظاهر أرينا بصيغة الماضي إلا أنه عدل إلى صيغة المستقبل حكاية للحال الماضية استحضارا لصورتها حتى كأنها حاضرة مشاهدة، و قيل: إن التعبير بالمستقبل لأن متعلق الإراءة لا يتناهى وجه دلالته فلا يمكن الوقوف على ذلك إلا بالتدريج و ليس بشي‏ء. و الإشارة إلى مصدر «نري» لا إلى إراءة أخرى مفهومة من قوله تعالى إِنِّي أَراكَ و لا إلى ما أنذر به أباه و ضلل قومه من المعرفة و البصارة. و جوز كل، و قيل: يجوز أن يجعل المشبه التبصير من حيث إنه واقع و المشبه به التبصير من حيث إنه مدلول اللفظ، و نظيره وصف النسبة بالمطابقة للواقع و هي عين الواقع، و جوز كون الكاف بمعنى اللام و الإشارة إلى القول السابق، و أنت تعلم ما هو الأجزل و الأولى مما تقدم لك في نظائره و ليس هو إلا الأول أي ذلك التبصير البديع نبصره عليه السلام مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أي ربوبيته تعالى و مالكيته لهما لا تبصيرا آخر أدنى منه، فالملكوت مصدر كالرغبوت و الرحموت كما قاله ابن مالك.

و غيره من أهل اللغة، و تاؤه زائدة للمبالغة و لهذا فسر بالملك العظيم و السلطان القاهر، و هو- كما قال الراغب- مختص به تعالى خلافا لبعضهم. و عن مجاهد أن المراد بالملكوت الآيات، و قيل: العجائب التي في السماوات و الأرض فإنه عليه السلام فرجت له السماوات السبع فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش و فرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن. و أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: «قال رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم: لما رأى إبراهيم ملكوت السماوات و الأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي الله تعالى فدعا عليه فهلك ثم أشرف على آخر على معصية من معاصي الله تعالى فدعا عليه فهلك ثم أشرف على آخر فذهب يدعو عليه فأوحى الله تعالى إليه أن يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي فإنهم مني على ثلاث، إما أن يتوب العاصي فأتوب عليه، و إما أن أخرج من صلبه نسمة تملأ الأرض بالتسبيح. و إما أن أقبضه إليّ فإن شئت عفوت و إن شئت عاقبت» و روي نحوه موقوفا و مرفوعا من طرق شتى و لا خلاف فيها لدلائل المعقول خلافا لمن توهمه، و قيل: ملكوت السماوات الشمس، و القمر، و النجوم و ملكوت الأرض، الجبال، و الأشجار، و البحار.

و هذه الأقوال- على ما قيل- لا تقتضي أن تكون الإراءة بصرية إذ ليس المراد بإراءة ما ذكر من الأمور الحسية مجرد تمكينه عليه السلام من إبصارها و مشاهدتها في أنفسها بلا اطلاعه عليه السلام على حقائقها و تعريفها من حيث دلالتها على شؤونه عز و جل، و لا ريب في أن ذلك ليس مما يدرك حسا كما ينبى‏ء عنه التشبيه السابق.

و قرى‏ء «ترى» بالتاء و إسناد الفعل إلى الملكوت أي تبصره عليه السلام دلائل الربوبية وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ أي من زمرة الراسخين في الإيقان البالغين درجة عين اليقين من معرفة الله تعالى، و هذا لا يقتضي سبق الشك كما لا يخفى، و اللام متعلقة بمحذوف مؤخر، و الجملة اعتراض مقرر لما قبلها أي و ليكون كذلك فعلنا ما فعلنا من التبصير البديع المذكور، و الحصر باعتبار أن هذا الكون هو المقصود الأصلي من ذلك التبصير و نحو إرشاد الخلق و إلزام الكفار من مستتبعاته، و بعضهم لم يلاحظ ذلك فقدر الفعل مقدما لعدم انحصار العلة فيما ذكر.

و قيل: هي متعلقة بالفعل السابق، و الجملة معطوفة على علة مقدرة ينسحب عليها الكلام أي ليستدل و ليكون.

و اعترض بأن الاستدلال مع قطع النظر عن كونه سببا للالتفات لا يكون علة للإراءة فكيف يعطف عليه بإعادة اللام و ليس بشي‏ء، و ادعى بعضهم أنه ينبغي على ذلك أن يراد بملكوت السماوات و الأرض بدائعهما و آياتهما لأن الاستدلال من غايات إراءتها لا من غاية إراءة نفس الربوبية، و أنت تعلم أن رؤية الربوبية إنما هي برؤية دلائلها و آثارها، و من الناس من جوز كون الواو زائدة و اللام متعلقة بما قبل و فيه بعد و إن ذكروه وجها كالأولين في كل ما جاء في القرآن من هذا القبيل.

و قوله تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ يحتمل أن يكون عطفا على إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ و ما بينهما اعتراض مقرر لما سبق و لحق، فإن تعريفه عليه السلام ربوبيته و مالكته تعالى للسماوات و الأرض و ما فيهن و كون الكل مقهورا تحت ملكوته مفتقرا إليه عز شأنه في جميع أحواله و كونه من الراسخين في المعرفة الواصلين إلى ذروة عين اليقين مما يقتضي بأن يحكم باستحالة ألوهية ما سواه سبحانه من الأصنام و الكواكب التي كان يعبدها قومه، و اختاره بعض المحققين، و يحتمل أن يكون تفصيلا لما ذكر من إراءة الملكوت و بيانا لكيفية استدلاله عليه السلام و وصوله إلى رتبة الإيقان، و الترتيب ذكرى لتأخر التفصيل عن الإجمال في الذكر، و معنى فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ سترة بظلامه، و هذه المادة بمتصرفاتها تدل على الستر، و عن الراغب أصل الجن الستر عن الحاسة يقال: جنه الليل و أجنه و جن عليه فجنه و جن عليه ستره و أجنه جعل له ما يستره.

و قوله سبحانه: رَأى‏ كَوْكَباً جواب لما فإن رؤيته إنما تتحقق عادة بزوال نور الشمس عن الحس و هذا- كما قال شيخ الإسلام- صريح في أنه لم يكن في ابتداء الطلوع بل كان بعد غيبته عن الحس بطريق الاضمحلال بنور الشمس، و التحقيق عنده أنه كان قريبا من الغروب و سيأتي إن شاء الله تعالى الإشارة إلى سبب ذلك، و المراد بالكوكب فيما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم المشتري. و أخرج ابن المنذر و غيره عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنه الزهرة قالَ هذا رَبِّي استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام السابق، و هذا منه عليه السلام على سبيل الفرض و إرخاء العنان مجاراة مع أبيه و قومه الذين كانوا يعبدون الأصنام و الكواكب فإن المستدل على فساد قول                       

 يحكيه ثم بكر عليه بالإبطال و هذا هو الحق الحقيق بالقبول. و قيل: إن في الكلام استفهاما إنكاريا محذوفا، و حذف أداة الاستفهام كثير في كلامهم، و منه قوله:

ثم قالوا تحبها قلت بهرا، و قوله:

فقلت و أنكرت الوجوه: هم هم و روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في قوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: ۱۱] إن المعنى أفلا اقتحم و جعل من ذلك قوله تعالى: وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ [الشعراء: ۲۲] و قيل: إنه مقول على سبيل الاستهزاء كما يقال لذليل ساد قوما: هذا سيدكم على سبيل الاستهزاء، و قيل: إنه عليه السلام أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم و بعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة إلى الله تعالى لم يقبلوا و لم يلتفتوا فمال إلى طريق يستدرجهم إلى استماع الحجة و ذلك بأن ذكر كلاما يوهم كونه مساعدا لهم على مذهبهم مع أن قلبه كان مطمئنا بالإيمان، و مقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله و إن لم يقبلوا، و قرر الإمام هذا بأنه عليه السلام لما لم يجد إلى الدعوة طريقا سوى هذا الطريق و كان مأمورا بالدعوة إلى الله تعالى كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر و معلوم أنه عند الإكراه يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان، و إذا جاء ذلك لبقاء شخص واحد فبأن يجوز لتخليص عالم من العقلاء عن الكفر و العقاب المؤبد كان ذلك أولى، فكلام إبراهيم عليه السلام كان من باب الموافقة ظاهرا للقوم حتى إذا أورد عليهم الدليل المبطل لقولهم كان قبولهم له أتم و انتفاعهم باستماعه أكمل، ثم قال: و مما يقوي هذا القول أنه تعالى حكى عنه مثل هذا الطريق في موضع آخر و هو قوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ۸۸، ۸۹] و ذلك لأن القوم كانوا يستدلون بعلم النجوم على حصول الحوادث المستقبلة فوافقهم في الظاهر مع أنه كان بريئا عنه في الباطن ليتوصل بذلك إلى كسر الأصنام، فمتى جازت الموافقة لهذا الغرض فلم لا تجوز في مسألتنا لمثل ذلك، و قيل: إن القوم بينما كانوا يدعونه عليه السلام إلى عبادة النجوم و كانت المناظرة بينهم قائمة على ساق إذ طلع النجم فقال: هذا رَبِّي على معنى هذا هو الرب الذي تدعونني إليه، و قيل و قيل و الكل ليس بشي‏ء عند المحققين لا سيما ما قرره الإمام، و تلك الأقوال كلها مبنية على أن هذا القول كان بعد البلوغ و دعوة القوم إلى التوحيد و سياق الآية و سباقها شاهدا عدل على ذلك.

و زعم بعضهم أنه كان قبل البلوغ و لا يلزمه اختلاج شك مؤد إلى كفر لأنه لما آمن بالغيب أراد أن يؤيد ما جزم به بأنه لو لم يكن الله تعالى إلها و كان ما يعبده قومه لكان إما كذا و إما كذا و الكل لا يصلح لذلك فيتعين كون الله تعالى إلها و هو خلاف الظاهر و يأباه السياق و السباق كما لا يخفى. و زعم أنه عليه السلام قال ما قال إذ لم يكن عارفا بربه سبحانه و الجهل حال الطفولية قبل قيام الحجة لا يضر و لا يعد ذلك كفرا مما لا يلتفت إليه أصلا، فقد قال المحققون المحقون: إنه لا يجوز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا و هو لله تعالى موحد و به عارف و من كل معبود سواه بري‏ء، و قد قص الله تعالى من حال إبراهيم عليه السلام خصوصا في صغره ما لا يتوهم معه شائبة مما يناقض ذلك فالوجه الأول لا غير. و لعل سلوك تلك الطريقة في بيان استحالة ربوبية الكوكب دون بيان استحالة إلهية الأصنام- كما قيل- لما أن هذا أخفى بطلانا و استحالة من الأول فلو صدع بالحق من أول الأمر كما فعله في حق عبادة الأصنام لتمادوا في المكابرة و العناد و لجوا في طغيانهم يعمهون، و كان تقديم بطلان إلهية الأصنام على ما ذكر من باب الترقي من الخفي إلى الأخفى. و قيل: إن القوم كانوا يعبدون الكواكب فاتخذوا لكل كوكب صنما من المعادن المنسوبة إليه كالذهب للشمس و الفضة للقمر ليتقربوا إليها فكان الصنم كالقبلة لهم فأنكر أولا عبادتهم للأصنام بحسب الظاهر ثم أبطل منشآتها و ما نسبت إليه من الكواكب بعدم استحقاقها لذلك أيضا، و لعلهم كانوا يعتقدون تأثيرها استقلالا دون تأثير الأصنام و لهذا تعرض لبطلان الإلهية في الأصنام و الربوبية فيها. و قرأ أبو عمرو و ورش من طريق البخاري «رأي» بفتح الراء و كسر الهمزة حيث كان. و قرأ ابن عامر، و حمزة، و الكسائي، و خلف، و يحيى عن أبي بكر «رأئي» بكسر الراء و الهمزة فَلَمَّا أَفَلَ أي غرب: قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال، و نفي المحبة قيل: إشارة إلى نفي اعتقاد الربوبية.

و قيل كني بعدم المحبة عن عدم العبادة لأنه يلزم من نفيها نفيها بالطريق الأولى، و قدر بعضهم في الكلام مضافا أي لا أحب عبادة الآفلين، و أيّا ما كان فمبتدأ الاشتقاق علة للحكم لأن الأفول انتقال و احتجاب و كل منهما ينافي استحقاق الربوبية و الألوهية التي هي من مقتضيات الربوبية لاقتضاء ذلك الحدوث و الإمكان المستحيلين على الرب المعبود القديم فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً أي مبتدأ في الطلوع منتشر الضوء، و لعله- كما قال الأزهري- مأخوذ من البزغ و هو الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقا و يقال: بزغ الناب إذا ظهر و بزغ البيطار الدابة إذا أسال دمها، و يقال:

بزغ الدم أي سال، و على هذا فيمكن أن يكون بزوغ القمر مشبها بما ذكر و كلام الراغب صريح فيه، و ظاهر الآية أن هذه الرؤية بعد غروب الكوكب.

و قوله سبحانه: قالَ هذا رَبِّي جواب لما و هو على طرز الكلام السابق فَلَمَّا أَفَلَ كما أفل الكوكب قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي إلى جنابه الحق الذي لا محيد عنه لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فإن شيئا مما رأيته لا يصلح للربوبية، و هذا مبالغة منه عليه السلام في النصفة، و فيه- كما قال الزمخشري- تنبيه لقومه على أن من اتخذ القمر إلها و هو نظير الكواكب في الأفول فهو ضال، و التعريض بضلالهم هنا- كما قال ابن المنير- أصرح و أقوى من قوله أولا لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ و إنما ترقى عليه السلام إلى ذلك لأن الخصوم قد قامت عليهم بالاستدلال الأول حجة فأنسوا بالقدح في معتقدهم و لو قيل هذا في الأول فلعلهم كانوا ينفرون و لا يصغون إلى الاستدلال، فما عرض لهم عليه السلام بأنهم على ضلالة إلا بعد أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود و استماعهم له إلى آخره. و الدليل على ذلك أنه صلّى اللّه عليه و سلّم ترقى في النوبة الثالثة إلى التصريح بالبراءة منهم و التصريح بأنهم على شرك حين تم قيام الحجة عليهم و تبلج الحق و بلغ من الظهور غايته.

و في هذه الجملة دليل من غير وجه على أن استدلاله عليه السلام ليس لنفسه بل كان محاجة لقومه، و كذا ما سيأتي.

و حمل هذا على أنه عليه الصلاة و السلام استعجز نفسه فاستعان بربه عز و جل في درك الحق و ما سيأتي على أنه إشارة إلى حصول اليقين من الدليل خلاف الظاهر جدا، على أنه قيل: إن حصول اليقين من الدليل لا ينافي المحاجة مع القوم، ثم الظاهر- على ما قال شيخ الإسلام- إنه عليه السلام كان إذ ذاك في موضع كان في جانبه الغربي جبل شامخ يستتر به الكوكب و القمر وقت الظهر من النهار أو بعده بقليل و كان الكوكب قريبا منه و أفقه الشرقي مكشوف أولا و إلا فطلوع القمر بعد أفول الكوكب ثم أفوله قبل طلوع الشمس كما ينبى‏ء عنه قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً أي مبتدأة في الطلوع مما لا يكاد يتصور، و قال آخر: إن القمر لم يكن حين رآه في ابتداء الطلوع. بل كان وراء جبل ثم طلع منه أو في جانب آخر لا يراه و إلا فلا احتمال لأن يطلع القمر من مطلعه بعد أفول الكوكب ثم يغرب قبل طلوع الشمس انتهى.

و أنت تعلم أن القول بوجود جبل في المغرب أو المشرق خلاف الظاهر لا سيما على قول شيخ الإسلام لأن هذا الاحتجاج كان في نواحي بابل على ما يشير إليه كلام المؤرخين و أهل الأثر و ليس هناك اليوم جبل مرتفع بحيث يستتر به الكوكب وقت الظهر من النهار أو بعده بقليل، و احتمال كونه كان إذ ذاك و لم يبق بتتالي الأعوام بعيد، و كذا يقال على القول المشهور عند الناس اليوم: إن واقعة إبراهيم عليه السلام كانت قريبا من حلب لأنه أيضا ليس هناك جبل شامخ كما يقوله الشيخ على أن المتبادر من البزوغ و الأفول البزوع من الأفق الحقيقي لذلك الموضع و الأفول عنه لا مطلق البزوغ و الأفول.

و قال الشهاب: إن الذي ألجأهم إلى ما ذكر التعقيب بالفاء و يمكن أن يكون تعقيبا عرفيا مثل تزوج فولد له إشارة إلى أنه لم تمض أيام و ليال بين ذلك سواء كان استدلالا أو وضعا و استدراجا لا أنه مخصوص بالثاني كما توهم على أنا لا نسلم ما ذكر إذا كان كوكبا مخصوصا و إنما يرد لو أريد جملة الكواكب أو واحد لا على التعيين فتأمل انتهى. و لا يخفى أن القول بالتعقيب العرفي و التزام أن هذا الاستدلال لم يكن في ليلة واحدة و صبيحتها هو الذي يميل إليه القلب، و دعوى إمكان طلوع القمر بعد أفول الكوكب حقيقة و قبل طلوع الشمس و أفوله قبل طلوعها لا يدعيها عارف بالهيئة في هذه الآفاق التي نحن فيها لأن امتناع ذلك عادة و لو أريد كوكب مخصوص أمر ظاهر لا سيما على ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن رؤية القمر كانت في آخر الشهر. نعم قد يمكن ذلك في بعض البروج في عروض مخصوصة لكن بيننا و بينها مهامه فيح، و لعله لذلك أمر بالتأمل فتأمل قالَ أي على المنوال السابق هذا رَبِّي إشارة إلى الجرم المشاهد من حيث هو لا من حيث هو مسمى باسم من الأسامي فضلا عن حيثية تسميته بالشمس و لذا ذكر اسم الإشارة.

و قال أبو حيان يمكن أن يقال: إن أكثر لغة العجم لا تفرق في الضمائر و لا في الإشارة بين المذكر و المؤنث و لا علامة عندهم للتأنيث بل المؤنث و المذكر عندهم سواء فأشير في الآية إلى المؤنث بما يشار به إلى المذكر حين حكي كلام إبراهيم عليه السلام و حين أخبر سبحانه عن المؤنث «ببازغة». «و أفلت» أنث على مقتضى العربية إذ ليس ذلك بحكاية.

و تعقب بأن هذا إنما يظهر لو حكي كلامهم بعينه في لغتهم أما إذا عبر عنه بلغة العرب فالمعتبر حكم لغة العرب، و قد صرح غير واحد بأن العبرة في التذكير و التأنيث بالحكاية لا المحكي ألا ترى أنه لو قال أحد: الكوكب النهاري طلع فحكيته بمعناه و قلت: الشمس طلعت لم يكن لك ترك التأنيث بغير تأويل لما وقع في عبارته، و إذا تتبعت ما وقع في النظم الكريم رأيته إنما يراعى فيه الحكاية على أن القول بأن محاورة إبراهيم عليه السلام كانت بالعجمية دون العربية مبني على أن إسماعيل عليه السلام أول من تكلم بالعربية و الصحيح خلافه.

و قيل: التذكير لتذكير الخبر و قد صرحوا في الضمير و اسم الإشارة مثله أن رعاية الخبر فيه أولى من رعاية المرجع لأنه مناط الفائدة في الكلام و ما مضى فات، و في الكشاف بعد جعل التذكير لتذكير الخبر و كان اختيار هذه الطريقة واجبا لصيانة الرب عن شبهة التأنيث ألا تراهم قالوا في صفة الله تعالى: علام و لم يقولوا علامة و إن كان العلامة أبلغ احترازا من علامة التأنيث، و اعترض عليه بأن هذا في الرب الحقيقي مسلم و ما هنا ليس كذلك. و أجيب بأن ذلك على تقدير أن يكون مسترشدا ظاهر، و المراد على المسلك الآخر إظهار صون الرب ليستدرجهم إذ لو حقر بوجه ما كان سببا لعدم إصغائهم، و قوله تعالى: هذا أَكْبَرُ تأكيد لما رامه عليه الصلاة و السلام من إظهار النصفة مع إشارة خفية- كما قيل- إلى فساد دينهم من جهة أخرى ببيان أن الأكبر أحق بالربوبية من الأصغر، و كون الشمس أكبر مما قبلها مما لا خفاء فيه، و الآثار في مقدار جرمها مختلفة. و الذي عليه محققو أهل الهيئة أنها مائة و ستة و ستون مثلا و ربع و ثمن مثل الأرض و ستة آلاف و ستمائة و أربعة و أربعون مثلا و ثلثا مثل للقمر، و ذكروا أن الأرض تسعة و ثلاثون مثلا و خمس و عشر مثل للقمر، و تحقيق ذلك في شرح مختصر الهيئة للبرجندي فَلَمَّا أَفَلَتْ كما أفل ما قبلها قالَ لقومه صادحا بالحق بين ظهرانيهم: يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ أي من إشراككم أو من الذي تشركونه من الاجرام المحدثة المتغيرة من حال إلى أخرى المسخرة لمحدثها، و إنما احتج عليه السلام بالأفول دون البزوغ مع أنه أيضا انتقال قيل لتعدد دلالته لأنه انتقال مع احتجاب و الأول حركة و هي حادثة فيلزم حدوث محلها، و الثاني اختفاء يستتبع إمكان موصوفه و لا كذلك البزوغ لأنه و إن كان انتقالا مع البروز لكن ليس للثاني مدخل في الاستدلال.

و اعترض بأن البزوغ أيضا انتقال مع احتجاب لأن الاحتجاب في الأول لا حق و في الثاني سابق، و كونه عليه السلام رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء- كما قيل- و لم يشاهد بزوغه فإنما يصير نكتة في الكوكب دون القمر و الشمس إلا أن يقال بترجح الأفول بعمومه بخلاف البزوغ.

و الأولى ما قيل: إن ترتيب هذا الحكم و نظيريه على الأفول دون البزوغ و الظهور من ضروريات سوق الاحتجاج على هذا المساق الحكيم فإن كلّا منهما و إن كان في نفسه انتقالا منافيا لاستحقاق معروضه للربوبية قطعا لكن لما كان الأول حالة موجبة لظهور الآثار و الأحكام ملائمة لتوهم الاستحقاق في الجملة رتب عليه الحكم الأول أعني هذا ربي على الطريقة المذكورة، و حيث كان الثاني حالة مقتضية لانطماس الآثار و بطلان الأحكام المنافيين للاستحقاق المذكور منافاة بينة يكاد يعترف بها كل مكابر عنيد رتب عليها ما رتب انتهى.

و بمعنى هذا ما قاله الإمام في وجه الاستدلال بالأفول من أن دلالته على المقصود ظاهرة يعرفها كل أحد، فإن الآفل يزول سلطانه وقت الأفول، و نقل عن بعض المحققين أن الهوي في حضيض الإمكان أفول و أحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص و حصة الأوساط و حصة العوام فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان و كل ممكن محتاج و المحتاج لا يكون مقطعا للحاجة فلا بد من الانتهاء إلى ما يكون منزها عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال سبحانه: وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏ [النجم: ۴۲] و أما الأوساط فهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة و كل متحرك محدث و كل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر فلا يكون الآفل إلها بل الإله هو الذي احتاج إليه ذلك الآفل، و أما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب و هم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول و الغروب فإنه يزول نوره و ينتقص ضوءه و يذهب سلطانه و يصير كالمعزول و من كان كذلك لم يصلح للإلهية ثم قال: فكلمة لا أحب الآفلين مشتملة على نصيب المقربين و أصحاب اليمين و أصحاب الشمال فكانت أكمل الدلائل و أفضل البراهين، و هناك أيضا دقيقة أخرى و هو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم و هم كانوا منجمين و مذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي و كان صاعدا إلى وسط السماء كان قويا عظيم التأثير. أما إذا كان غريبا و قريبا من الأفول فإنه يكون ضعيف الأثر قليل القوة فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز و كماله إلى النقصان، و مذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي يكون ضعيف القوة ناقص التأثير عاجزا عن التدبير و ذلك يدل على القدح في إلهيته. و يظهر من هذا أن للأفول على قول المنجمين مزيد خاصية في كونه موجبا للقدح في إلهيته، و لا يخفى أن فهم الهوى في حضيض الإمكان من فَلَمَّا أَفَلَ في هذه الآية مما لا يكاد يسلم، و كون المراد فلما تحقق إمكانه لظهور أمارات ذلك من الجسمية و التحيز مثلا قال إلخ لا يخفى ما فيه، نعم فهم هذا المعنى من لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ربما يحتمل على بعد، و نقل عن حجة الإسلام الغزالي أنه حمل الكوكب على النفس الحيوانية التي لكل كوكب و القمر على النفس الناطقة التي لكل فلك، و الشمس على العقل المجرد الذي لكل فلك، و عن بعضهم أنه حمل الكوكب على الحس، و القمر على الخيال و الوهم و الشمس على العقل، و المراد أن هذه القوى المدركة قاصرة متناهية القوة و مدبر العالم مستولي عليها قاهر لها و هو خلاف الظاهر أيضا، و سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة نظير ذلك، و إنما لم يقتصر عليه السلام في الاحتجاج على قومه بأفول الشمس مع أنه يلزم من امتناع صفة الربوبية فيها لذلك امتناعها في غيرها من باب أولى.

و فيه أيضا رعاية الإيجاز و الاختصار ترقيا من الأدون إلى الأعلى مبالغة في التقرير و البيان على ما هو اللائق بذلك المقام و لم يحتج عليهم بالجسمية و التحيز و نحوهما مما يدركه الرائي عند الرؤية في أمارات الحدوث و الإمكان اختيارا لما هو أوضح من ذلك في الدلالة و أتم، ثم إنه عليه السلام لما تبرأ منه توجه إلى مبدع هذه المصنوعات و موجدها فقال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ أي أوجد و أنشأ السَّماواتِ التي هذه الأجرام من أجزائها وَ الْأَرْضَ التي تلك الأصنام من أجزائها حَنِيفاً أي مائلا عن الأديان الباطلة و العقائد الزائغة كلها وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أصلا في شي‏ء من الأقوال و الأفعال، و المراد من توجيه الوجه للذي فطر إلخ قصده سبحانه بالعبادة.

و قال الإمام: المراد وجهت عبادتي و طاعتي، و سبب جواز هذا الجواز أن من كان مطيعا لغيره منقادا لأمره فإنه يتوجه بوجهه إليه فجعل توجه الوجه إليه كناية عن الطاعة، و الظاهر أن اللام صلة وجه. و في الصحاح وجهت وجهي لله و توجهت نحوك و إليك، و ظاهره التفرقة بين وجه و توجه باستعمال الأول باللام و الثاني بإلى، و عليه وجه اللام هنا دون إلى ظاهر، و ليس في القاموس تعرض لهذا الفرق. و ادعى الإمام أنه حيث كان المعنى توجيه وجه القلب إلى خدمته تعالى و طاعته لأجل عبوديته لا توجه القلب إليه جل شأنه لأنه متعال عن الحيز و الجهة تركت إلى و اكتفى باللام فتركها. و الاكتفاء باللام هاهنا دليل ظاهر على كون المعبود متعاليا عن الحيز و الجهة و في القلب من ذلك شي‏ء. فإن قيل: إن قصارى ما يدل عليه الدليل أن الكوكب و الشمس و القمر لا يصلح شي‏ء منها للربوبية و الألوهية و لا يلزم من هذا القدر نفي الشرك مطلقا و إثبات التوحيد فلم جزم عليه السلام بإثبات التوحيد و نفي الشرك بعد إقامة ذلك الدليل، فالجواب بأن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء و إنما نازعوا في هذه الصورة المعينة فلما ثبت بالدليل على أن هذه الأشياء ليست أربابا و لا آلهة و ثبت بالاتفاق نفي غيرها لا جرم حصل الجزم بنفي الشركاء على الإطلاق. ثم إن المشهور أن هذا الاستدلال من أول ضروب الشكل الثاني.

و الشخصية عندهم في حكم الكلية كأنه قيل: هذا أو القمر أو هذه أفل أو أفلت و لا شي‏ء من الإله بآفل أو ربي ليس بآفل ينتج هذا أو القمر أو هذه ليس بإله أو ليس بربي. أما الصغرى فهي كالمصرح بها في قوله تعالى: فَلَمَّا أَفَلَتْ في الموضعين، و قوله سبحانه: فَلَمَّا أَفَلَ في الأخير، و أما الكبرى فمأخوذة من قوله تعالى: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ لأنه يشير إلى قياس. و هو كل آفل لا يستحق العبودية. و كل من لا يستحق العبودية فلبس بإله ينتج من الأول كل آفل ليس بإله، و يستلزم لا شي‏ء من الآفل بإله لاستلزام الموجبة المعدولة السالبة المحصلة. و يصح جعل  الكبرى ابتداء سالبة فينتج ما ذكر و ينعكس إلى لا شي‏ء من الإله بآفل، و هي إحدى الكبريين. و يعلم من هذا بأدنى التفات كيفية أخذ الكبرى الثانية.

و قال الملوي: الأحسن أن يقال إن قوله تعالى: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ يتضمن قضية و هي لا شي‏ء من الآفل يستحق العبودية فتجعل كبرى لصغرى ضرورية و هي الإله المستحق للعبودية ينتج لا شي‏ء من الإله بآفل القمر و إذا ضمت هذه النتيجة إلى القضية السابقة و هي هذا آفل و نحوه أنتج من الثاني هذا ليس بإله أو لا شي‏ء من القمر بإله، و إن ضممت عكسها المستوي إليها أنتج من الأول المطلوب بعينه فلا يتعين الثاني في الآية بل الأول مأخوذ منها أيضا ا ه. فتأمل فيه و لا تغفل.

وَ حاجَّهُ قَوْمُهُ أي خاصموه- كما قال الربيع- أو شرعوا في مغالبته في أمر التوحيد تارة بإيراد أدلة فاسدة واقعة في حضيض التقليد و أخرى بالتخويف و التهديد قالَ منكرا عليهم محاجتهم له عليه السلام مع قصورهم عن تلك المرتبة و عزة المطلب و قوة الخصم و وضوح الحق أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ أي في شأنه تعالى و وحدانيته سبحانه. و قرأ نافع و ابن عامر في رواية ابن ذكوان بتخفيف النون ففيه حذف إحدى النونين.

و اختلف في أيهما المحذوفة. فقيل: نون الرفع و هو مذهب سيبويه. و رجح بأن الحاجة دعت إلى نون مكسورة من أجل الياء و نون الرفع لا تكسر. و بأنه جاء حذفها كما في قوله:

         كل له نية في بغض صاحبه             بنعمة الله نقليكم و تقلونا

 أراد تقلوننا و النون الثانية هنا ليست وقاية بل هي من الضمير و حذف بعض الضمير لا يجوز و بأنها نائبة عن الضمة و هي قد تحذف تخفيفا كما في قراءة أبي عمرو ينصركم و يشعركم و يأمركم. و قيل نون الوقاية و هو مذهب الأخفش، و رجح بأنها الزائدة التي حصل بها الثقل. و قوله تعالى: وَ قَدْ هَدانِ في موضع الحال من ضمير المتكلم مؤكدة للإنكار. فإن كونه عليه الصلاة و السلام مهديا من جهة الله تعالى و مؤيدا من عنده سبحانه مما يوجب الكف عن محاجته صلّى اللّه عليه و سلّم و عدم المبالاة بها و الالتفات إليها إذا وقعت. قيل: و المراد و قد هدان إلى إقامة الدليل عليكم بوحدانيته عز شأنه، و قيل هدان إلى الحق بعد ما سلكت طريقتكم بالفرض و التقدير و تبين بطلانها تبينا تاما كما شاهدتموه، و على القولين لا يقتضي سبق ضلال له عليه الصلاة و السلام و جهل بمعرفة ربه جل و علا. و هَدانِ يرسم- كما قال الأجهوري- بلا ياء.

وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ جواب كما روي عن ابن جريج عما خوفوه عليه السلام من إصابة مكروه من جهة معبودهم الباطل كما قال لهود عليه السلام قومه إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ [هود: ۵۴] و هذا التخويف قيل: كان على ترك عبادة ما يعبدونه، و قيل: بل على الاستخفاف به و احتقاره بنحو الكسر و التنقيص. و قيل:

و لعل ذلك حين فعل بآلهتهم ما فعل مما قص الله تعالى علينا، و في بعض الآثار أنه عليه السلام لما شب و كبر جعل آزر يصنع الأصنام فيعطيها له ليبيعها فيذهب و ينادي من يشتري ما يضره و لا ينفعه فلا يشتريها أحد فإذا بارت ذهب بها إلى نهر و ضرب فيه رؤوسها و قال لها اشربي استهزاء بقومه حتى فشا فيهم استهزاؤه فجادلوه حينئذ و خوفوه. و ما موصولة اسمية حذف عائدها، و الضمير المجرور لله تعالى أي لا أخاف الذي تشركونه به سبحانه. و جوز أن يكون عائدا إلى الموصول و الباء سببية. أي الذي تشركون بسببه، و أن تكون نكرة موصوفة و أن تكون مصدرية.

و قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً بتقدير الوقت عند غير واحد غير مستثنى من أعم الأوقات استثناء مفرغا. و قال بعضهم: إن المصدر منصوب على الظرفية من غير تقدير وقت، و منع ذلك ابن الأنباري مفرقا بين المصدر الصريح فيجوز نصبه على الظرفية و غير الصريح فلا يجوز فيه ذلك. و ابن جني لا يفرق بين الصريح و غيره و يجوز ذلك فيهما على السواء، و الاستثناء متصل في رأي. و شَيْئاً مفعول به أو مفعول مطلق أي لا أخاف ما تشركون به في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئته تعالى شيئا من إصابة مكروه لي من جهتها أو شيئا من مشيئته تعالى إصابة مكروه لي من جهتها و ذلك إنما هو من جهته تعالى من غير دخل لآلهتكم في إيجاده و إحداثه. و جوز بعضهم أن يكون الاستثناء منقطعا على معنى و لكن أخاف أن يشأ ربي خوفي ما أشركتم به، و في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام إشارة إلى أن مشيئته تلك إن وقعت غير خالية عن مصلحة تعود إليه بالتربية أو إظهار منه عليه الصلاة و السلام لانقياده لحكمه سبحانه و تعالى و استسلام لأمره و اعتراف بكونه تحت ملكوته و ربوبيته تعالى.

وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً كأنه تعليل للاستثناء أي أحاط بكل شي‏ء علما فلا يبعد أن يكون في علمه سبحانه إنزال المكروه بي من جهتها بسبب من الأسباب، و نصب عِلْماً على التمييز المحول عن الفاعل، و جوز أن يكون نصبا على المصدرية لوسع من غير لفظه، و في الإظهار في موضع الإضمار تأكيد للمعنى المذكور و استلذاذ بذكره تعالى: أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ أي أ تعرضون بعد ما أوضحته لكم عن التأمل في أن آلهتكم بمعزل عن القدرة على شي‏ء ما من النفع أو الضر فلا تتذكرون أنها غير قادرة على إضراري. و في إيراد التذكر دون التفكر و نحوه إشارة إلى أن أمر آلهتهم مركوز في العقول لا يتوقف إلا على التذكير.

وَ كَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ استئناف- كما قال شيخ الإسلام- مسوق لنفي الخوف عنه عليه السلام بحسب زعم الكفرة بالطريق الإلزامي بعد نفيه عنه بحسب الواقع و نفس الأمر و الاستفهام لإنكار الوقوع و نفيه بالكلية و في توجيه الإنكار إلى كيفية الخوف من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقال: أ أخاف لما أن كل موجود لا يخلو عن كيفية فإذا انتفى جميع كيفياته فقد انتفى وجوده من جميع الجهات بالطريق البرهاني، و كَيْفَ حال و العوامل فيها أَخافُ و ما موصولة أو نكرة موصوفة و العائد محذوف، و جوز أن تكون مصدرية. و قوله تعالى: وَ لا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ في موضع الحال من ضمير أخاف بتقدير مبتدأ لمكان الواو. و قيل: لا حاجة إلى التقدير لأن المضارع المنفي قد يقرن بالفاء، و لا حاجة هنا إلى ضمير عائد إلى ذي الحال لأن الواو كافية في الربط و هو مقرر لإنكار الخوف و نفيه عنه عليه السلام و مفيد لاعترافهم بذلك فإنهم حيث لم يخافوا في محل الخوف فلأن لا يخاف عليه السلام في محل الأمن أولى و أحرى أي كيف أخاف أنا ما ليس في حيز الخوف أصلا و أنتم لا تخافون غائلة ما هو أعظم المخوفات و أهولها و هو إشراككم بالله تعالى الذي فطر السماوات و الأرض ما هو من جملة مخلوقاته، و عبر عنه بقوله سبحانه: ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً أي حجة على طريق التهكم- قيل- مع الإيذان بأن الأمور الدينية لا يعول فيها إلا على الحجة المنزلة من عند الله تعالى. و ضمير بِهِ عائد على الموصول و الكلام على حذف مضاف أي بإشراكه. و جوز أن يكون راجعا إلى الإشراك المقيد بتعلقه بالموصول و لا حاجة إلى العائد، و هو- على ما قيل- مبني على مذهب الأخفش في الاكتفاء في الربط برجوع العائد إلى ما يتلبس بصاحبه. و ذكر متعلق الإشراك و هو الاسم الجليل في الجملة الحالية دون الجملة الأولى- قيل- لأن المراد في الجملة الحالية تهويل الأمر و ذكر المشرك به أدخل في ذلك.

و قال بعض المحققين: الظاهر أن يقال في وجه الذكر في الثانية و الترك في الأولى إنه لما قيل قبيل هذا وَ لا أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ به كان ما هنا كالتكرار له فناسب الاختصار و أنه عليه السلام حذفه إشارة إلى بعد وحدانيته تعالى عن الشرك فلا ينبغي عنده نسبته إلى الله تعالى و لا ذكر معه. و لما ذكر حال المشركين الذين لا ينزهونه سبحانه عن ذلك صرح به، و قيل: إن ذكر الاسم الجليل في الجملة الثانية ليعود إليه الضمير في «ما لم ينزل» و ليس بشي‏ء لأنه يكفي سبق ذكره في الجملة، و قيل: لأن المقصود إنكاره عليه السلام عدم خوفهم من إشراكهم بالله تعالى لأنه المنكر المستبعد عند العقل السليم لا مطلق الإنكار و لا كذلك في الجملة الأولى فإن المقصود فيها إنكار أن يخاف عليه السلام غير الله تعالى سواء كان مما يشركه الكفار أو لا و ليس بشي‏ء أيضا لأن الجملة الثانية ليست داخلة مع الأولى في حكم الإنكار إلا عند مدعي العطف و هو مما لا سبيل إليه أصلا لإفضائه إلى فساد المعنى قطعا لما تقدم أن الإنكار بمعنى النفي بالكلية فيؤول المعنى إلى نفي الخوف عنه عليه السلام و نفي نفيه عنهم و أنه بين الفساد، و أيضا أن ما أَشْرَكْتُمْ كيف يدل على ما سوى الله تعالى غير الشريك أن هذا لا شي‏ء عجاب ثم إن الآية نص في أن الشرك مما لم ينزل به سلطان. و هل يمتنع عقلا حصول السلطان في ذلك أم لا؟ ظاهر كلام بعضهم. و في أصول الفقه ما يؤيده في الجملة الثانية و الذي اختاره الأول، و قول الإمام: إنه لا يمتنع عقلا أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل و الصور قبلة للدعاء ليس من محل الخلاف كما لا يخفى على الناظر فانظر.

فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ كلام مرتب على إنكار خوفه عليه السلام في محل الأمن مع تحقق عدم خوفهم في محل الخوف مسوق لإلجائهم إلى الاعتراف باستحقاقه عليه السلام لما هو عليه من الأمن و بعدم استحقاقهم لما هم عليه، و بهذا يعلم ما في دعوى أن الإنكار في الجملة الأولى لنفي الوقوع و في الثانية لاستبعاد الواقع، و إنما جي‏ء بصيغة التفضيل المشعرة باستحقاقهم له في الجملة لاستنزالهم عن رتبة المكابرة و الاعتساف بسوق الكلام على سنن الإنصاف، و المراد بالفريقين الفريق الآمن في محل الأمن و الآمن في محل الخوف، فإيثار ما في النظم الكريم- كما قيل- على أن يقال: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم؟ لتأكيد الإلجاء إلى الجواب بالتنبيه على علة الحكم و التفادي عن التصريح بتخطئتهم التي ربما تدعو إلى اللجاج و العناد مع الإشارة بما في النظم إلى أن أحقية الأمن لا تخصه عليه السلام بل تشمل كل موحد ترغيبا لهم في التوحيد إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي من هو أحق بذلك أو شي‏ء من الأشياء أو إن كنتم من أولي العلم فأخبروني بذلك. و قرى‏ء «سلطانا» بضم اللام، و هي لغة اتبع فيها الضم الضم.[۱]


[۱] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، جلد ۴، صفحات ۱۸۶ تا ۱۹۵