الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ في‏ خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (آل عمران: ۱۹۱)

آنها که در هر حالت، ایستاده و نشسته و خفته خدا را یاد کنند و دائم در خلقت آسمان و زمین بیندیشند و گویند: پروردگارا، تو این دستگاه با عظمت را بیهوده نیافریده‌ای، پاک و منزهی، ما را به لطف خود از عذاب دوزخ نگاهدار؛

خلاصه:

آیات سه نوع هستند، آیات آسمانی یا همان ستارگان و ماه و خورشید، آیات زمینی یا همان موجودات زمینی، و آیاتی که ترکیبی هستند مثل گردش شب و روز که هم متعلق به آسمان هستند و هم زمین، و بهترین عبادت تفکر در خلقت موجودات برای پی بردن به خالق آنهاست.

متن تفسیر:

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ تأكيد لما قبله و إقامة دليل عليه و لذا لم يعطف، و أتى بكلمة إن اعتناء بتحقق مضمون الجملة أي إن في إيجادهما و إنشائهما على ما هما عليه من العجائب و البدائع وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ أي تعاقبها و مجي‏ء كل منهما خلف الآخر بحسب طلوع الشمس و غروبها التابعين لسباحتها في بحر قدرته سبحانه حسب إرادته، و خبر الخرزتين خارج عن سلك القبول و بفرض نظمه فيه مؤول، و ثقب التأويل واسع و كون ذلك تابعا لحركة السموات و سكون الأرض- كما قاله مولانا شيخ الإسلام- مخالف لما ذهب إليه جمهور أهل السنة من المحدثين و غيرهم من سكون السموات و تحرك النجوم أنفسها بتقدير اللّه تعالى العليم، و ما ذهب إليه هو مذهب الحكماء المشهور بين الناس، و قد ذكر مولانا الشيخ الأكبر قدس سره ما يخالفه أيضا حيث قال: إن اللّه سبحانه جعل هذه السموات ساكنة و خلق فيها نجوما تسبح بها و جعل لها في سباحتها حركان مقدرة لا تزيد و لا تنقص و جعلها تسير في جرم السماء الذي هو مساحتها فتخرق الهواء المماس لها فيحدث بسيرها أصوات و نغمات مطربة لكون سيرها على وزن معلوم فتلك نغمات الأفلاك الحادثة من قطع الكواكب المسافات السماوية و جعل أصحاب علم الهيئة للأفلاك ترتيبا ممكنا في حكم العقل و جعلوا الكواكب في الأفلاك كالشامات على سطح الجسم و كل ما قالوه يعطيه ميزان حركاتها و إن اللّه تعالى لو فعل ذلك كما ذكروه لكان السير السير بعينه، و لذلك يصيبون في علم الكسوفات و نحوه، و قالوا: إن السموات كالأكر و إن الأرض في جوفها و ذلك كله ترتيب وضعي يجوز في الإمكان غيره و هم مصيبون في الأوزان مخطئون في أن الأمر كما رتبوه فليس الأمر إلا على ما ذكرناه شهودا انتهى.

و يؤيد دعوى أنه يجوز في الإمكان غيره ما ذهب إليه أصحاب الزيج الجديد من أن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلا و أنها مركز العالم و أن الأرض و كذا سائر السيارات و الثوابت تتحرك عليها و أقاموا على ذلك الأدلة و البراهين بزعمهم و بنوا عليه الكسوف و الخسوف و نحوهما و لم يتخلف شي‏ء من ذلك فهذا يشعر بأنه لا قطع فيما ذهب اليه أصحاب الهيئة، و يحتمل أن يراد باختلاف الليل و النهار تفاوتهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر و انتقاصه بازدياده باختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قربا و بعدا بحسب الأزمنة، أو في اختلافهما و تفاوتهما بحسب الأمكنة إما في الطول و القصر فإن البلاد القريبة من قطب الشمال أيامها الصيفية أطول و ليالها الصيفية أقصر من أيام البلاد البعيدة منه و لياليها، و إما في أنفسهما فإن كرية الأرض تقتضي أن يكون بعض الأوقات في بعض الأماكن ليلا، و في مقابله نهارا و في بعضها صباحا و في بعضها ظهرا أو عصرا أو غير ذلك، و هذا مما لا شبهة فيه عند كثير من الناس، و ذكره شيخ الإسلام أيضا- و ليس بالبعيد- بل اختلاف الأوقات في الأماكن مشاهد محسوس لا يختلف فيه اثنان إلا أن في كرية الأرض اختلافا، فقد ذكر مولانا الشيخ الأكبر قدس سره أن اللّه تعالى بعد أن خلق الفلك المكوكب في جوف الفلك الأطلس خلق الأرض سبع طبقات و جعل كل أرض أصغر من الأخرى ليكون على كل أرض قبة سماء فلما تم خلقها

و قدر فيها أقواتها و اكتسى الهواء صورة البخار الذي هو الدخان فتق ذلك الدخان سبع سموات طباقا و أجساما شفافة و جعلها على الأرضين كالقباب على كل أرض سماء أطرافها عليها نصف كرة و كرة الأرض لها كالبساط فهي مدحية دحاها من أجل السماء أن تكون عليها و جعل في كل سماء من هذه واحدة من الجواري على الترتيب المعروف انتهى، و القلب يميل إلى الكرية و اللّه لا يستحي من الحق، و ما ذهب إليه الشيخ الأكبر قدس سره أمر شهودي و فيه الموافق و المخالف لما ذهب إليه معظم المحدثين. و أكثر علماء الدين.

و الذي قطع به بعض المحققين أنه لم يجى‏ء في الأحاديث الصحيحة المرفوعة ما يفصل أمر السموات و الأرض أتم تفصيل إذ ليست المسألة من المهمات في نظر الشارع صلى اللّه تعالى عليه و سلم و المهم في نظره منها واضح لا مرية فيه، و سبحان من لا يتعاصى قدرته شي‏ء، و الليل واحد بمعنى جمع و واحدة ليلة مثل تمرة و تمر و قد جمع على ليال فزادوا فيها الياء على غير قياس، و نظيره أهل و أهال، و يقال: كان الأصل فيها ليلاة فحذفت لأن تصغيرها لييلية كذا في الصحاح، و صحح غير واحد أنه مفرد و لا يحفظ له جمع، و أن القول بأنه جمع و الليالي جمع جمع غير مرضي فافهم، و قد تقدم الكلام مستوفى في الليل و النهار، و وجه تقديم الأول على الثاني.

لَآياتٍ أي دلالات على وحدة اللّه تعالى و كمال علمه و قدرته، و هو اسم إن و قد دخله اللام لتأخره عن خبرها و التنوين فيه للتفخيم كما و كيفا أي آيات كثيرة عظيمة، و جمع القلة هنا قائم مقام جمع الكثرة، قيل: و في ذلك رمز إلى أن الآيات الظاهرة و إن كانت كثيرة في نفسها إلا أنها قليلة في جنب ما خفي منها في خزائن العلم و مكامن الغيب و لم يظهر بعد لِأُولِي الْأَلْبابِ أي لأصحاب العقول الخالصة عن شوائب الحسّ و الوهم، و منه

خبر «أن اللّه تعالى منع مني بني مدلج لصلتهم الرحم و طعنهم في ألباب الإبل»

أي خالص إبلهم و كرائمها، و يقال: لبّ يلب كعض يعض إذا صار لبيبا و هي لغة أهل الحجاز و أهل نجد يقولون: لب يلب كفر يفر و يقال: لبب الرجل بالكسر يلب الفتح إذا صار ذا لب، و حكي لبب بالضم و هو نادر لا نظير له في المضاعف.

و وجه دلالة المذكورات على وحدته تعالى أنها تدل على وجود الصانع لتغيرها المستلزم لحدوثها و استنادها إلى مؤثر قديم و متى دلت على ذلك لزم منه الوحدة، و وجه دلالتها على ما بعد أنها في غاية الإتقان و نهاية الإحكام لمن تأمل فيها و تفكر في ظاهرها و خافيها و ذلك يستدعي كمال العلم و القدرة كما لا يخفى، و للمتكلمين في الاستدلال على وجود الصانع بمثل هذه المذكورات طريقان: أحدهما طريق التغير، و الثاني طريق الإمكان، و الأكثرون على ترجيح الثاني، و البحث مفصل في موضعه.

و إنما اقتصر سبحانه هنا على هذه الثلاثة بعد ما زاده في البقرة لأن الآيات على كثرتها منحصرة في السماوية و الأرضية و المركبة منهما، فأشار إلى الأولين بخلق السموات و الأرض، و إلى الثالثة باختلاف الليل و النهار لأنهما من دوران الشمس على الأرض، أو لأنهما بواسطة مفيض بحسب الظاهر و هو الجرم العلوي و قابل للإفاضة و هو الجرم السفلي القابل للظلمة و الضياء قاله بعضهم و قال ناصر الدين: لعل ذلك لأن مناط الاستدلال هو التغير، و هذه الثلاثة متعرضة لجملة أنواعه فإنه إنما يكون في ذات الشي‏ء كتغير الليل و النهار، أو جزئه كتغير العناصر بتبدل صورها، أو الخارج عنه كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها، و اعترض بأنه مبني على مذهب الحكماء في إثبات الهيولى و الصورة و الأوضاع الفلكية فلا يناسب تخريج كتاب اللّه تعالى عليه، و لعل الأولى من هذا و ذاك ما قاله شيخ الإسلام في عدم التعرض لما ذكر في تلك السورة من أن المقصود هاهنا بيان استبداده تعالى بما ذكر من الملك و القدرة، و الثلاثة المذكورة معظم الشواهد الدالة على ذلك فاكتفي بها، و أما هناك فقد قصد في ضمن بيان اختصاصه تعالى بالألوهية

بيان اتصافه تعالى بالرحمة الواسعة فنظمت دلائل الفضل و الرحمة في سلك دلائل التوحيد فإن ما فصل هناك من آيات رحمته تعالى كما أنه من آيات ألوهيته و وحدته.

و مما يؤيد كون المذكورات معظم الشواهد الدالة على التوحيد ما أخرجه الطبراني و ابن مردويه و غيرهما عن ابن عباس أنه قال أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم به موسى من الآيات قالوا: عصاه و يده بيضاء للناظرين و أتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه و الأبرص و يحيى الموتى فأتوا النبي صلّى اللّه عليه و سلم ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا فدعا ربه فنزلت: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ‏

و

أخرج ابن حبان في صحيحه و ابن عساكر و غيرهما عن عطاء قال: قلت لعائشة رضي اللّه تعالى عنها أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول صلى اللّه تعالى عليه و سلم قالت: و أي شأنه لم يكن عجبا!؟ إنه أتاني ليلة فدخل معي في لحافي ثم قال: ذريني أتعبد لربي فقام فتوضأ ثم قام يصلي فبكى حتى سألت دموعه على صدره ثم ركع فبكى ثم سجد فبكى ثم رفع رأسه فبكى فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة فقلت: يا رسول اللّه ما يبكيك و قد غفر اللّه تعالى لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا و لم لا أفعل و قد أنزل اللّه تعالى علي في هذه الليلة إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إلى قوله سبحانه: فَقِنا عَذابَ النَّارِ ثم قال: ويل لمن قرأها و لم يتفكر فيها،

و

كان صلى اللّه تعالى عليه و سلم على ما روي عن علي كرم اللّه تعالى وجهه إذا قام من الليل تسوك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ الآية.

و

أخرج الشيخان و أبو داود و النسائي و غيرهم عن ابن عباس قال: بتّ عند خالتي ميمونة فنام رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم حتى انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل ثم استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيديه ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ختم.

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ في موضع جرّ على أنه نعت لِأُولِي و يجوز أن يكون في موضع رفع على المدح، و جعله مبتدأ و الخبر محذوف تقديره يقولون «ربنا آمنا» بعيد لما فيه من تفكيك النظم، و يزيده بعدا ما

أخرجه الأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم: «ينادي مناد يوم القيامة أين أولو الألباب؟ قالوا: أي أولي الألباب تريد؟ قال: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً إلخ عقد لهم لواء فاتبع القوم لواءهم و قال لهم ادخلوها خالدين»

و الظاهر أن المراد من الذكر الذكر باللسان لكن مع حضور القلب إذ لا تمدح بالذكر بدونه بل أجمعوا على أنه لا ثواب لذاكر غافل، و إليه ذهب كثير، و عد ابن جريج قراءة القرآن ذكرا فلا تكره للمضطجع القادر، نعم نص بعض الشافعية على كراهتها له إذا غطى رأسه للنوم و قال بعض المحققين: المراد به ذكره تعالى مطلقا كان ذلك من حيث الذات أو من حيث الصفات و الأفعال، و سواء قارنه ذكر اللسان أو لا، و المعنى عليه الذين لا يغفلون عنه تعالى في عامة أوقاتهم باطمئنان قلوبهم بذكره و استغراق سرائرهم في مراقبته، و عليه فيحمل ما حكي عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما و عروة بن الزبير و جماعة رضي اللّه تعالى عنهم من أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون اللّه تعالى فقال بعضهم: أما قال اللّه تعالى يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً فقاموا يذكرون اللّه تعالى على أقدامهم على أن مرادهم بذلك التبرك بنوع موافقة للآية في ضمن فرد من أفراد مدلولها و ليس مرادهم به تفسيرها و تحقيق مصداقها على التعيين و إلا لاضطجعوا و ذكروا أيضا ليتم التفسير و تحقيق المصداق.

و أخرج ابن أبي حاتم و الطبراني من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود في الآية أنه قال: إنما هذا في الصلاة إذا لم تستطع قائما فقاعدا و إن لم تستطع قاعدا فعلى جنب، و كذلك أمر صلّى اللّه عليه و سلم عمران بن حصين، و كانت به بواسير. كما أخرجه البخاري عنه و بهذا الخبر أحج الإمام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه على أن المريض يصلي مضطجعا على جنبه الأيمن مستقبلا بمقادم بدنه و لا يجوز له أن يستلقي على ظهره على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي اللّه تعالى عنه، و جعل الآية حجة على ذلك بناء على أنه لما حصر أمر الذاكر في الهيئات المذكورة دل على أن غيرها ليس من هيئته و الصلاة مشتملة على الذكر فلا ينبغي أن تكون على غير هيئته محل تأمل، و تخصيص ابن مسعود الذكر بالصلاة لا ينتهض حجة على أنه بعيد من سياق النظم الجليل و سباقه.

و القيام و القعود جمع قائم و قاعد- كنيام و رقود- جمع نائم و راقد، و انتصابهما على الحالية من ضمير الفاعل في يَذْكُرُونَ و يحتمل أن يكونا مصدرين مؤولين بقائمين و قاعدين لتتأتى الحالية، و قوله تعالى: وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ متعلق بمحذوف معطوف على الحال أي و كائنين على جنوبهم أي مضطجعين، و جوز أن يقدر المتعلق المعطوف خاصا أي و مضطجعين على جنوبهم، و المراد من ذكر هذه الأحوال الإشارة إلى الدوام و انفهامه منها عرفا مما لا شبهة فيه و ليس المراد الدوام الحقيقي لاستحالته بل في غالب أحوالهم، و بعضهم يأخذ الدوام من المضارع الدال على الاستمرار و كيفما كان فالمراد يذكرون اللّه تعالى كثيرا وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ عطف على يَذْكُرُونَ و عطفه على الأحوال السابقة غير ظاهر و تقديم الذكر في تلك الحالات على التفكر لما أن فيهما الاعتراف بالعبودية، و العبد مركب من النفس الباطنة و البدن الظاهر، و في الأول إشارة إلى عبودية الثاني، و في الثاني إشارة إلى عبودية الأول لأن التفكر إنما يكون بالقلب و الروح، و في بيان العبودية بعد الفراغ من آيات الربوبية ما لا يخفى من اللطف، و قيل: قدم الأول لأنه إشارة إلى النظر في الأنفس و أخر الثاني لأنه إشارة إلى النظر في الآفاق، و لا شبهة في تقدم الأول على الثاني، و صرح مولانا شيخ الإسلام بأن هذا بيان للتفكر في أفعاله تعالى، و ما تقدم بيان للتفكر في ذاته تعالى على الإطلاق، و الذي عليه أئمة التفسير أنه سبحانه إنما خصص التفكر بالخلق للنهي عن التفكر في الخالق لعدم الوصول إلى كنه ذاته و صفاته جل شأنه و عز سلطانه، و قد ورد هذا النهي في غير ما حديث،

فقد أخرج أبو الشيخ و الأصبهاني عن عبد اللّه بن سلام قال: «خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم على أصحابه و هم يتفكرون فقال: لا تفكروا في اللّه تعالى و لكن تفكروا فيما خلق»

و

عن عمرو بن مرة قال: «مر رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم على قوم يتفكرون فقال: «تفكروا في الخلق و لا تفكروا في الخالق»

و

عن ابن عمر قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم: «تفكروا في آلاء اللّه تعالى و لا تفكروا في اللّه تعالى»،

و عن ابن عباس تفكروا في كل شي‏ء و لا تفكروا في ذات اللّه تعالى- إلى غير ذلك- ففي كون الأول بيانا للتفكر في ذاته سبحانه على الإطلاق نظر على أن بعض الفضلاء ذكر في تفسيره أن التفكر في اللّه سبحانه محال لما أنه يستدعي الإحاطة بمن هو بكل شي‏ء محيط فتدبر، و قيل: قدم الذكر على الدوام على التفكير للتنبيه على أن العقل لا يفي بالهداية ما لم يتنور بنور ذكر اللّه تعالى و هدايته فلا بد للمتفكر من الرجوع إلى اللّه تعالى و رعاية ما شرع له، و أن العقل المخالف للشرع لبس الضلال و لا نتيجة لفكره إلا الضلال، و- الخلق- إما بمعنى المخلوق على أن الإضافة بمعنى في أي يتفكرون فيما خلق في السموات و الأرض أعم من أن يكون بطريق الجزئية منهما أو بطريق الحلول فيهما، أو على أنها بيانية أي في المخلوق الذي هو السموات و الأرض، و إما باق على مصدريته أي يتفكرون في إنشائهما و إبداعهما بما فيهما من عجائب المصنوعات و دقائق الأسرار و لطائف الحكم و يستدلون بذلك على الصانع و وحدته الذاتية و أنه الملك القاهر و العالم القادر و الحكيم المتقن إلى غير ذلك من صفات الكمال، و يجرّهم

ذلك إلى معرفة صدق الرسل و حقية الكتب الناطقة بتفاصيل الأحكام الشرعية و تحقيق المعاد و ثبوت الجزاء، و لشرافة هذه الثمرة الحاصلة من التفكر مع كونه من الأعمال المخصوصة بالقلب البعيدة عن مظان الرياء كان من أفضل العبادات، و

قد أخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، و أخرج ابن سعد عن أبي الدرداء مثله، و أخرج الديلمي عن أنس مرفوعا مثله،

و

عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم: «فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة»، و عنه أيضا مرفوعا بينما رجل مستلق ينظر إلى النجوم و إلى السماء فقال و اللّه إني لأعلم إن لك ربا و خالقا اللهم اغفر لي فنظر اللّه تعالى له فغفر له،

و أخرج ابن المنذر عن عون قال: سألت أم الدرداء ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: التفكر و الاعتبار. و أخرج ابن أبي الدنيا عن عامر بن قيس قال: سمعت غير واحد- لا اثنين و لا ثلاثة- من أصحاب محمد صلى اللّه تعالى عليه و سلم يقولون: إن ضياء الإيمان- أو نور الإيمان- التفكر، و اقتصر سبحانه على ذكر التفكر فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و لم يتعرض جل شأنه لإدراج اختلاف الليل و النهار في ذلك السلك مع ذكره فيما سلف- و شرف التفكر فيه أيضا كما يقتضيه التعليل، و ظاهر ما أخرجه الديلمي عن أنس مرفوعا تفكر ساعة في اختلاف الليل و النهار خير من عبادة ثمانين سنة-

إما للايذان بظهور اندراج ذلك فيما ذكر لما أن الاختلاف من الأحوال التابعة لأحوال السموات و الأرض على ما أشير اليه، و إما للاشعار بمسارعة المذكورين إلى الحكم بالنتيجة لمجرد تفكرهم في بعض الآيات من غير حاجة إلى بعض آخر منها في إثبات المطلوب.[۱]


[۱] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، جلد ‏۲، صفحات ۳۶۶ تا ۳۷۰