قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في‏ كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى‏ (طه: ۵۲)

گفت: «علم آن، در كتابى نزد پروردگار من است. پروردگارم نه خطا مى‌كند و نه فراموش مى‌نمايد.»

خلاصه:

فرعون در مورد امت‌های گذشته که دارای قدرت و شوکت بودند سوال می کند و موسی (ع) می‌فرماید علم این موضوع غیبی در لوح محفوظ است.

متن تفسیر:

قالَ موسى عليه السّلام عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي أي إن ذلك من الغيوب التي لا يعلمها إلا اللّه تعالى و إنما أنا عبد لا أعلم منها إلا ما علمنيه من الأمور المتعلقة بالرسالة و العلم بأحوال القرون و ما جرى عليهم على التفصيل مما لا ملابسة فيه بمنصب الرسالة كما زعمت. و قيل: إنما سأله عن ذلك ليختبر أنه نبي أو هو من جملة القصاص الذين دارسوا قصص الأمم السالفة، و قال النقاش: إن اللعين لما سمع وعظ مؤمن آل فرعون يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ [غافر: ۳۰] الآية سأل عن ذلك فرد عليه السّلام علمه إلى اللّه تعالى لأنه لم يكن نزلت عليه التوراة فإنه كان نزولها بعد هلاك فرعون.

و قال بعضهم: إن السؤال مبني على قوله عليه السّلام وَ السَّلامُ عَلى‏ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى‏ إلخ أي فما حال القرون السالفة بعد موتهم من السعادة و الشقاوة و المراد بيان ذلك تفصيلا كأنه قيل: إذا كان الأمر كما ذكرت ففصل لنا حال من مضى من السعادة و الشقاوة و لذا رد عليه السّلام العلم إلى اللّه عز و جل فاندفع ما قيل: إنه لو كان المسئول عنه ما ذكر من السعادة و الشقاوة لأجيب ببيان أن من اتبع الهدى منهم فقد سلم و من تولى فقد عذب حسبما نطق به قوله تعالى وَ السَّلامُ إلخ، و قيل: إنه متعلق بقوله سبحانه إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا إلخ أي إذا كان الأمر كذلك فما بال القرون الأولى كذبوا ثم ما عذبوا، و قيل: هو متعلق به و السؤال عن البعث و الضمير في عِلْمُها للقيامة و كلا القولين كما ترى و عود الضمير على القيامة أدهى من أمر التعلق و أمرّ.

و قيل: إنه متعلق بجواب موسى عليه السّلام اعتراضا على ما تضمنه من علمه تعالى بتفاصيل الأشياء و جزئياتها المستتبع إحاطة قدرته جل و علا بالأشياء كلها كأنه قيل: إذا كان علم اللّه تعالى كما أشرت فما تقول في القرون الخالية مع كثرتهم و تمادي مدتهم و تباعد أطرافهم كيف إحاطة علمه تعالى بهم و بأجزائهم و أحوالهم فأجاب بأن علمه تعالى محيط بذلك كله إلى آخر ما قص اللّه تعالى، و تخصيص القرون الأولى على هذا بالذكر مع أولوية التعميم قيل لعلم فرعون ببعضها و بذلك يتمكن من معرفة صدق موسى عليه السّلام: إن بين أحوالها، و قيل: إنه لإلزام موسى عليه السّلام و تبكيته عند قومه في أسرع وقت لزعمه أنه لو عمم ربما اشتغل موسى عليه السّلام بتفصيل علمه تعالى بالموجودات المحسوسة الظاهرة فتطول المدة و لا يتمشى ما أراده، و أيّا ما كان يسقط ما قيل: إنه يأبى هذا الوجه تخصيص القرون الأولى من بين الكائنات فإنه لو أخذها بجملتها كان أظهر و أقوى في تمشي ما أراد، نعم بعد هذا الوجه مما لا ينبغي أن ينكر، و قيل: إنه اعتراض عليه بوجه آخر كأنه قيل: إذا كان ما ذكرت من دليل إثبات المبدأ في هذه الغاية من الظهور فما بال القرون الأولى نسوه سبحانه و لم يؤمنوا به تعالى فلو كانت الدلالة واضحة وجب عليهم أن لا يكونوا غافلين عنها و مآله على ما قال الإمام معارضة الحجة بالتقليد، و قريب منه ما يقال إنه متعلق بقوله «ثم هدى» على التفسير الأول كأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك فما بال القرون الأولى لم يستدلوا بذلك فلم يؤمنوا. و حاصل الجواب على القولين أن ذلك من سر القدر و علمه عند ربي جل شأنه فِي كِتابٍ الظاهر أنه خبر ثان لعلمها و الخبر الأول عِنْدَ رَبِّي.

و جوز أن يكونا خبرا واحدا مثل هذا حلو حامض و أن يكون الخبر عِنْدَ رَبِّي. و فِي كِتابٍ في موضع الحال من الضمير المستتر في الظرف أو هو معمول له. و أن يكون الخبر في كتاب و عِنْدَ رَبِّي في موضع الحال من الضمير المستتر فيه و العامل الظرف و هو يعمل متأخرا على رأي الأخفش، و قيل: يكون حالا من المضاف إليه في عِلْمُها، و قيل: يكون ظرفا للظرف الثاني، و قيل: هو ظرف للعلم ذكر جميع ذلك أبو البقاء ثم قال: و لا يجوز أن يكون فِي كِتابٍ متعلقا بعلمها و «عند ربي» الخبر لأن المصدر لا يعمل فيما بعد خبره.

و أنت تعلم أن أول الأوجه هو الأوجه و كأنه عنى عليه السّلام بالكتاب اللوح المحفوظ أي علمها مثبت في اللوح المحفوظ بتفاصيله و هذا من باب المجاز إذ المثبت حقيقة إنما هو النقوش الدالة على الألفاظ المتضمنة شرح أحوالهم المعلومة له تعالى، و جوز أن يكون المراد بالكتاب الدفتر كما هو المعروف في اللغة و يكون ذلك تمثيلا لتمكنه و تقرره في علمه عز و جل بما استحفظه العالم و قيده بكتبته في جريدة و لعله أولى، و يلوح إليه قوله تعالى لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى‏ فإن عدم الضلال و النسيان أوفق بإتقان العلم، و الظاهر أن فيه على الوجهين دفع توهم الاحتياج لأن الإثبات في الكتاب إنما يفعله من يفعله لخوف النسيان و اللّه تعالى منزه عن ذلك، و الإثبات في اللوح المحفوظ لحكم و مصالح يعلم بعضها العالمون، و قيل: إن هذه الجملة على الأول تكميل لدفع ما يتوهم من أن الإثبات في اللوح للاحتياج لاحتمال خطأ أو نسيان تعالى اللّه سبحانه عنه، و على الثاني تذييل لتأكيد الجملة السابقة، و المعنى لا يخطى‏ء ربي ابتداء بأن لا يدخل شي‏ء من الأشياء في واسع علمه فلا يكون علمه سبحانه محيطا بالأشياء و لا يذهب عليه شي‏ء بقاء بأن يخرج عن دائرة علمه جل شأنه بعد أن دخل بل هو عز و جل محيط بكل شي‏ء علما أزلا و أبدا و تفسير الجملتين بما ذكر مما ذهب إليه القفال و وافقه بعض المحققين و لا يخفى حسنه.

و أخرج ابن المنذر و جماعة عن مجاهد أنهما بمعنى واحد و ليس بذاك، و الفعلان قيل: منزلان منزلة اللازم، و قيل: هما باقيان على تعديهما و المفعول محذوف أي لا يضل شيئا من الأشياء و لا ينساه، و قيل: شيئا من أحوال القرون الأولى، و عن الحسن لا يضل وقت البعث و لا ينساه و كأنه جعل السؤال عن البعث و خصص لأجله المفعول و قد علمت حاله. و عن ابن عباس أن المعنى لا يترك من كفر به حتى ينتقم منه و لا يترك من وحده حتى يحازيه و كأنه رضي اللّه تعالى عنه جعل السؤال عن حالهم من حيث السعادة و الشقاوة و الجواب عن ذلك على سبيل الإجمال فتدبر و لا تغفل.

و زعم بعضهم أن الجملة في موضع الصفة لكتاب و العائد إليه محذوف أي لا يضله ربي و لا ينساه، و قيل:

العائد ضمير مستتر في الفعل و رَبِّي نصب على المفعول أي لا يضل الكتاب ربي أي عنه. و في يَنْسى‏ ضمير عائد إليه أيضا أي و لا ينسى الكتاب شيئا أي لا يدعه على حد لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [الكهف:۴۹].

و العجب كل العجب من العدول عن الظاهر إلى مثل هذه الأقوال، و إظهار رَبِّي في موقع الإضمار للتلذذ بذكره تعالى و لزيادة التقرير و الإشعار بعلية الحكم فإن الربوبية مما تقتضي عدم الضلال و النسيان حتما.

و قرأ الحسن و قتادة و الجحدري و حماد بن سلمة و ابن محيصن و عيسى الثقفي «لا يضلّ» بضم الياء من أضل و أضللت الشي‏ء و ضللته قيل بمعنى و في الصحاح عن ابن السكيت يقال: أضللت بعيري إذا ذهب منك و ضللت المسجد و الزاد إذا لم تعرف موضعهما و كذلك كل شي‏ء مقيم لا يهتدى إليه، و حكي نحوه عن الفراء. و ابن عيسى، و ذكر أبو البقاء في توجيه هذه القراءة و جهين جعل رَبِّي منصوبا على المفعولية، و المعنى لا يضل أحد ربي عن علمه و جعله فاعلا و المعنى لا يجد ربي الكتاب ضالا أي ضائعا، و قرأ السلمي «لا يضلّ ربي و لا ينسى» ببناء الفعلين لما لم يسم فاعله.[۱]


[۱] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، جلد ‏۸، صفحات ۵۱۶ تا ۵۱۸