وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنَّاها لِلنَّاظِرينَ (حجر: ۱۶)

و همانا ما در آسمان کاخهای بلند برافراشتیم و بر چشم بینایان عالم آن کاخها را به زیب و زیور بیاراستیم.

خلاصه:

در آسمان اول دوازده برج وجود دارد که در هر برجی یک ملک ساکن است که هر کدام دارای علومی مخصوص به خود هستند. وقتی شیاطین برای استراق سمع از ملائکه آسمان اول بالا می‌روند ملائکه آنها را توسط کواکب و شهاب‌ها تیرباران می کنند و آنها را هلاک یا مجروح می‌کنند. ماجرای رمی شیاطین قبل از بعثت نبوده و پس از بعثت شروع شده است.

متن تفسیر:

و قال ابن عطية: أنه سبحانه لما ذكر أنهم لو رأوا الآية المطلوبة في السماء لعاندوا و بقوا على ما هم فيه من الضلال عقب ذلك بهذه الآية كأنه جل شأنه قال: و إن في السماء لعبرا منصوبة غير هذه المذكورة و كفرهم بها و إعراضهم عنها إصرار منهم و عتو ا ه و الظاهر أن الجعل بمعنى الخلق و الإبداع فالجار و المجرور متعلق به، و جوز أن يكون بمعنى التصيير فهو متعلق بمحذوف على أنه مفعول ثان له و بروجا مفعوله الأول، و البروج جمع برج و هو لغة القصر و الحصن و بذلك فسره هنا عطية، فقد أخرج عنه ابن أبي حاتم أنه قال: جعلنا قصورا في السماء فيها الحرس، و أخرج عن أبي صالح أن المراد بالبروج الكواكب العظام.

و في البحر عنه الكواكب السيارة و روى غير واحد عن مجاهد و قتادة أنها الكواكب من غير قيد. و روي عن ابن عباس تفسير ذلك بالبروج الاثني عشر المشهورة و هي ستة شمالية ثلاثة ربيعية و ثلاثة صيفية و أولها الحمل و ستة جنوبية ثلاثة خريفية و ثلاثة شتائية و أولها الميزان و طول كل برج عندهم ل درجة و عرضه قف درجة ص منها في جهة الشمال و مثلها في جهة الجنوب و كأنها إنما سميت بذلك لأنها كالحصن أو القصر للكوكب الحال فيها و هي في الحقيقة أجزاء الفلك الأعظم و هو المحدد المسمى بلسانهم الفلك الأطلس و فلك الأفلاك و بلسان الشرع بعكسه و لهذا يسمى الشيخ الأكبر قدس سره الفلك الأطلس بفلك البروج و المشهور تسمية الفلك الثامن و هو فلك الثوابت به لاعتبارهم الانقسام فيه و كأن ذلك لظهور ما تتعين به الأجزاء من الصور فيه و إن كان كل منها منتقلا عما عينه إلى آخر منها لثبوت الحركة الذاتية للثوابت على خلاف التوالي و إن لم يثبتها لها لعدم الإحساس بها قدماء الفلاسفة كما لم يثبت الأكثرون حركتها على نفسها و أثبتها الشيخ أبو علي و من تبعه من المحققين، و قد صرحوا بأن هذه الصور المسماة بالأسماء المعلومة توهمت على المنطقة و ما يقرب منها من الجانبين من كواكب ثابتة تنظمها خطوط موهومة وقعت وقت القسمة في تلك الأقسام و نقل ذلك في الكفاية عن عامة المنجمين و أنهم إنما توهموا لكل قسم صورة ليحصل التفهيم و التعليم بأن يقال: الدبران مثلا عين الأسد.

و تعقب ذلك بقوله: و هذا ليس بسديد عندي لأن تلك الصور لو كانت و همية لم يكن لها أثر في أمثالها من العالم السفلي مع أن الأمر ليس كذلك فقد قال بطليموس في الثمرة. الصور التي في عالم التركيب مطيعة للصور الفلكية إذ هي في ذواتها على تلك الصور فأدركتها الأوهام على ما هي عليه و فيه بحث ثم هذه البروج مختلفة الآثار و الخواص بل لكل جزء من كل منها و إن كان أقل من عاشرة بل أقل الأقل آثار تخالف آثار الجزء الآخر و كل ذلك آثار حكمة اللّه تعالى و قدرته عز و جل. و قد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره في بعض كتبه أن آثار النجوم و أحكامها مفاضة عليها من تلك البروج المعتبرة في المحدد.

و في الفصل الثالث من الباب الحادي و السبعين و الثلاثمائة من فتوحاته ما منه أن اللّه تعالى قسم الفلك الأطلس اثني عشر قسما سماها بروجا و أسكن كل برج منها ملكا و هؤلاء الملائكة أئمة العالم و جعل لكل منهم ثلاثين خزانة تحتوي كل منها على علوم شتى يهبون منها للنازل بهم قدر ما تعطيه رتبته و هي الخزائن التي قال اللّه تعالى فيها:

وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر: ۲۱] و تسمى عند أهل التعاليم بدرجات الفلك و النازلون بها هم الجواري و المنازل و عيوقاتها من الثوابت و العلوم الحاصلة من تلك الخزائن الإلهية هي ما يظهر في عام الأركان من التأثيرات بل ما يظهر في مقعر فلك الثوابت إلى الأرض إلى آخر ما قال، و قد أطال قدس سره الكلام في هذا الباب و هو بمعزل عن اعتقاد المحدثين نقلة الدين عليهم الرحمة، ثم إن في اختلاف خواص البروج حسبما تشهد به التجربة مع ما اتفق عليه الجمهور من بساطة السماء أدل دليل على وجود الصانع المختار جل جلاله.

وَ زَيَّنَّاها أي السماء بما فيها من الكواكب السيارات و غيرها و هي كثيرة لا يعلم عددها إلا اللّه تعالى. نعم المرصود منها ألف و نيف و عشرون رتبوها على ستر مراتب و سموها اقدارا متزايدة سدسا حتى كان قطر ما في القدر الأول ستة أمثال ما في القدر السادس و جعلوا كل قدر على ثلاث مراتب و ما دون السادس لم يثبتوه في المراتب بل إن كان كقطعة السحاب يسمونه سحابيا و إلا فمظلما، و ذكر في الكفاية أن ما كان منها في القدر الأول فجرمه مائة و ستة و خمسون مرة و نصف عشر الأرض. و جاء في بعض الآثار أن أصغر النجوم كالجبل العظيم و استظهر أبو حيان عود الضمير للبروج لأنها المحدث عنها و الأقرب في اللفظ و الجمهور على ما ذكرنا حذرا من انتشار الضمير لِلنَّاظِرِينَ أي بأبصارهم إليها كما قاله بعضهم لأنه المناسب للتزيين، و جوز أن يراد بالتزيين ترتيبها على نظام بديع مستتبعا للآثار الحسنة فيراد بالناظرين المتفكرون المستدلون بذلك على قدرة مقدرها و حكمة مدبرها جل شأنه وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ مطرود عن الخيرات، و يطلق الرجم على الرمي بالرجام و هي الحجارة، فالمراد بالرجيم المرمي بالنجوم، و يطلق أيضا على الإهلاك و القتل الشنيع، و المراد بحفظها من الشيطان إما منعه عن التعرض لها على الإطلاق و الوقوف على ما فيها في الجملة فالاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ متصل، و إما المنع عن دخولها و الاختلاط مع أهلها على نحو الاختلاط مع أهل الأرض فهو حينئذ منقطع، و على التقديرين محل مَنِ النصب على الاستثناء، و جوز أبو البقاء. و الحوفي كونه في محل جر على أنه بدل مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ بدل بعض من كل و استغنى عن الضمير الرابط بإلا. و اعترض بأنه يشترط في البدلية أن تكون في كلام غير موجب و هذا الكلام مثبت.

و دفع بأنه في تأويل المنفي أي لم نمكن منها كل شيطان أو نحوه و أورد أن تأويل المثبت في غير أبي و متصرفاته غير مقيس و لا حسن فلا يقال مات القوم إلا زيد بمعنى لم يعيشوا، و لعل القائل بالبدلية لا يسم ذلك، و قد أولوا بالمنفي قوله تعالى: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا [البقرة: ۲۴۹] و قوله عليه الصلاة و السلام: «العالم هلكى إلا العالمون» الخبر و غير ذلك مما ليس فيه أبى و لا شي‏ء من متصرفاته لكن الإنصاف ضعف هذه البدلية كما لا يخفى.

و جوز أبو البقاء أيضا أن يكون في محل رفع على الابتداء و الخبر جملة قوله تعالى: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ و ذكر أن الفاء من أجل أن مَنِ موصول أو شرط و الاستراق افتعال من السرقة و هو أخذ الشي‏ء بخفية شبه به خطفتهم اليسيرة من الملأ الأعلى و هو المذكور في قوله تعالى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ [الصافات: ۱۰] و المراد بالسمع المسموع، و الشهاب- على ما قال الراغب- الشعلة الساطعة من النار الموقدة و من العارض في الجو و يطلق على الكوكب لبريقه كشعلة النار.

و أصله من الشهبة و هي بياض مختلط بسواد و ليست البياض الصافي كما يغلط فيه العامة فيقولون فرس أشهب للقرطاسي، و المراد- بمبين- ظاهر أمره للمبصرين و معنى اتبعه تبعه عند الأخفش نحو ردفته و أردفته فليست الهمزة فيه للتعدية، و قيل: أتبعه أخص من تبعه لما قال الجوهري تبعت القوم تبعا و تباعة بالفتح إذا مشيت خلفهم أو مروا بك فمضيت معهم و أتبعت القوم على أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم و استحسن الفرق بينهما الشهاب، و لما كان الاتباع محتملا للإهلاك و غيره اختلف العلماء في ذلك فحكى القرطبي عن ابن عباس أن الشهاب يجرح و يحرق و لا يقتل، و عن الحسن و طائفة أنه يقتل، و ادعى أن الأول أصح، و نقل غير واحد عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال: إن الشياطين يركب بعضهم بعضا إلى السماء الدنيا يسترقون السمع من الملائكة عليهم السلام فيرمون بالكواكب فلا تخطئ أبدا فمنهم من تقتله و منهم من تحرق وجهه أو جنبه أو يده أو حيث يشاء اللّه تعالى و منهم من تخبله فيصير غولا فيضل الناس في البراري، و مما لا يعول عليه ما يروى من أن منهم من يقع في البحر فيكون تمساحا و من الناس من طعن كما قال الإمام في أمر هذا الاستراق و الرمي من وجوه. أحدها أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة و ذكروا فيه أن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس فإذا بلغ كرة النار التي دون الفلك احترق بها فتلك الشعلة هي الشهاب. و قد يبقى زمانا مشتعلا إذا كان كثيفا و ربما حميت الأدخنة في برد الهواء للتعاقب فانضغطت مشتعلة، و جاء أيضا في شعر الجاهلية قال بشر بن أبي حازم:

و العير يلحقها الغبار و جحشها             ينقض خلفهما انقضاض الكوكب‏

 و قال أوس بن حجر:

و انقض كالدريّ يتبعه             نقع يثور تخاله طنبا

 إلى غير ذلك. و ثانيها أن هؤلاء الشياطين كيف يجوز فيهم أن يشاهدوا ألوفا من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون ثم إنهم مع ذلك يعودون لصنيعهم فإن من له أدنى عقل إذا رأى هلاك أبناء جنسه من تعاطي شي‏ء مرارا امتنع منه. و ثالثها أن يقال: إن ثخن السماء خمسمائة عام فهؤلاء الشياطين إن نفذوا في جرمها و خرقوها فهو باطل لنفي أن يكون لها فطور على ما قال سبحانه: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ مِنْ فُطُورٍ [الملك: ۳] و إن كانوا لا ينفذون فكيف يمكنهم سماع أسرار الملائكة عليهم السلام مع هذا البعد العظيم. و رابعها أن الملائكة عليهم السلام إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ أو لأنهم تلقفوها بالوحي، و على التقديرين لم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا تتمكن الشياطين من الوقوف عليها؟. و خامسها أن الشياطين مخلوقون من النار و النار لا تحرق النار بل تقويها فكيف يعقل زجرهم بهذه الشهب؟. و سادسها أنكم قلتم: إن هذا القذف لأجل النبوة فلما دام بعد وفاة النبي صلى اللّه عليه و سلم؟. و سابعها أن هذه الشهب إنما تحدث بقرب الأرض بدليل أنا نشاهد حركاتها و لو كانت قريبة من الفلك لما شاهدناها كما لم نشاهد حركات الأفلاك و الكواكب، و إذا ثبت أنها تحدث بالقرب من الأرض فكيف يقال: إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك؟. و ثامنها أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة عليهم السلام عن المغيبات إلى الكهنة فلم لم ينقلوا أسرار المؤمنين إلى الكفار حتى يتوصلوا بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضرر بهم؟. و تاسعها لم لم يمنعهم اللّه تعالى من الصعود ابتداء حتى لا يحتاج في دفعهم إلى هذه الشهب؟

و قال بعضهم: أيضا: إن السماع إنما يفيدهم إذا عرفوا لغة الملائكة فلم لم يجعلهم اللّه سبحانه جاهلين بلغتهم لئلا يفيدهم السماع شيئا، و أيضا ان انقطع الهواء دون مقعر فلك القمر لم يحدث هناك صوت إذ هو من تموج الهواء و المفروض عدمه و إن لم ينقطع كان دون ذلك أصوات هائلة من تموج الهواء بحركة الأجرام العظيمة و هي تمنع من سماع أصوات الملائكة عليهم السلام في محاوراتهم و لا يكاد يظن أن أصواتهم في المحاورات تغلب هاتيك الأصوات لتسمع معها، و أيضا ليس في السماء الدنيا إلا القمر و لا نراه يرمي به و سائر السيارات فوق كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: ۳۳] و الثوابت في الفلك الثامن و الرمي بشي‏ء من ذلك يستدعي خرق السماء و تشققها ليصل الشهاب إلى الشيطان و هو مما لا يكاد يقال. و أجاب الإمام عن الأول. أولا بأن الشهب لم تكن موجودة قبل البعثة و هذا قول ابن عباس،فقد روي عنه أنه قال: «كان الجن يصعدون إلى السماء فيستمعون الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها أشياء من عند أنفسهم فلما بعث النبي صلى اللّه عليه و سلم منعوا مقاعدهم و لم يكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم إبليس: ما هذا إلا لأمر حدث» الخبر.

و روي عن أبي بن كعب أنه قال: «لم يرم بنجم منذ رفع عيسى عليه السلام حتى بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فرمى بها فرأت قريش  ما لم تر قبل فجعلوا يسيبون أنعامهم و يعتقون رقابهم يظنون أنه الفناء فبلغ ذلك كبيرهم فقال: لم تفعلون؟ فقالوا: رمي بالنجوم فقال: اعتبروا فإن تكن نجوم معروفة فهو وقت فناء الناس و إلا فهو أمر حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال: في الأمر مهلة و هذا عند ظهور نبي» الخبر، و كتب الأوائل قد توالت عليها التحريفات فلعل المتأخرين ألحقوا هذه المسألة بها طعنا في هذه المعجزة، و كذا الأشعار المنسوبة إلى أهل الجاهلية لعلها مختلفة عليهم. و ثانيا و هو الحق بأنها كانت موجودة قبل البعثة لأسباب أخر و لا ننكر ذلك إلا أنه لا ينافي أنها بعد البعثة قد توجد بسبب دفع الشياطين و زجرهم. يروى أنه قيل للزهري: أ كان يرمى في الجاهلية؟ قال: نعم قيل: أ فرأيت قوله تعالى: وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [الجن: ۹] قال: غلظ و شدد أمرها حيث بعث النبي صلى اللّه عليه و سلم، و على نحو هذا يخرج ما روي عن ابن عباس. و أبي رضي اللّه تعالى عنهم إن صح. و عن الثاني بأنه إذا جاء القدر عمي البصر فإذا قضى اللّه تعالى على طائفة منهم الحرق لطغيانهم و ضلالهم قيض لهم من الدواعي ما تقدم معه على الفعل المفضي إلى الهلاك. و عن الثالث بأن البعد بين الأرض و السماء خمسمائة عام فأما ثخن الفلك فإنه لا يكون عظيما. و عن الرابع بأنه روي عن الزهري  عن علي بن الحسين بن علي كرم اللّه تعالى وجهه عن ابن عباس قال: بينا النبي صلى اللّه عليه و سلم جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال عليه الصلاة و السلام: «ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟» قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم قال عليه الصلاة و السلام: «فإنها لا ترمى لموت أحد و لا لحياته و لكن ربنا تعالى إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء و سبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء و يستخير أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم و لا يزال ينتهي الخبر إلى هذه السماء فيتخطفه الجن فيرمون فما جاؤوا به فهو حق و لكنهم يزيدون فيه».

و عن الخامس بأن النار قد تكون أقوى من نار أخرى فالأقوى تبطل ما دونها. و عن السادس بأنه إنما دام لأنه عليه الصلاة و السلام أخبر ببطلان الكهانة فلو لم يدم هذا القذف لعادت الكهانة و ذلك يقدح في خبر الرسول صلى اللّه عليه و سلم عن بطلانها. و عن السابع بأن البعد على مذهبنا غير مانع من السماع فلعله سبحانه و تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقفوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة عليهم السلام. و عن الثامن بأنه لعل اللّه تعالى أقدرهم على استماع الغيوب من الملائكة و أعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكفار. و عن التاسع بأنه عز و جل يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، و بهذا يجاب عن الأول فيما قيل.

و أجيب عن الثاني بأنا نختار انقطاع الهواء و السماع عندنا بخلق اللّه تعالى و لا يتوقف على وجود الهواء و تموجه، و قد يختار عدم الانقطاع و يقال: إنه تعالى شأنه قادر على منع الهواء من التموج بحركة هاتيك الأجرام، و كذا هو سبحانه قادر على إسماعهم مع هاتيك الأصوات الهائلة السر و أخفى. و عن الثالث بأن كون الثوابت في الفلك الثامن هو الذي ذهب إليه الفلاسفة و احتجوا عليه بأن بعضها فيه فيجب أن يكون كلها كذلك، أما الأول فلأن الثوابت التي تكون قريبة من المنطقة تنكسف بالسيارات فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة، و أما الثاني فلأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة كل مائة سنة أو أقل على الخلاف درجة فلا بد أن تكون مركوزة في كرة واحدة، و هو احتجاج ضعيف لأنه لا يلزم من كون بعض الثوابت فوق السيارات كون كلها هنا لأنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة القمر و تكون في البطء مساوية لكرة الثوابت و تكون الكواكب المركوزة فيما يقارب القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر و الكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، و على هذا لا يمتنع أن تكون هذه النجوم في السماء الدنيا، و قد ذكر الجلال السيوطي و غيره أنه جاء في بعض الآثار أن الكواكب معلقة بسلاسل من نور بأيدي ملائكة في السماء الدنيا يسيرونها حيث شاء اللّه تعالى و كيف شاء إلا أن في صحة ذلك ما فيه، على أن ما ذكر في السؤال من أن ذلك يستلزم الخرق و هو مما لا يكاد يقال إما أن يكون مبنيا على القول بامتناع الخرق و الالتئام على الفلك المحدد و غيره فقد تقرر فساد ذلك و حقق إمكان الخرق و الالتئام بما لا مزيد عليه في غير كتاب من كتب الكلام، و إما أن يكون مبنيا على مجرد الاستبعاد فهو مما لا يفيد شيئا لأن أكثر الممكنات مستبعدة و هي واقعة و لا أظنك في مرية من ذلك بل قد يقال: نحن لا نلتزم أن الكوكب نفسه يتبع الشيطان فيحرقه، و الشهاب ليس نصا في الكوكب لما علمت ما قيل في معناه و إن قيل: إنه بنفسه ينقض و يرمي الشيطان ثم يعود إلى مكان لظاهر إطلاق الرجوم على النجوم و قولهم رمي بالنجم مثلا.

و كذا لا نلتزم القول بأنه ينفصل عن الكوكب شعلة كالقبس الذي يؤخذ من النار فيرمى بها كما قاله غير واحد لنحتاج في الجواب عن السؤال بما تقدم إذ يجوز أن يقال: إنه يؤثر حين كان بإذن اللّه تعالى هذه الشعلة المسماة بالشهاب و يحرق بها من شاء اللّه تعالى من الشياطين، و إطلاق الرجوم على النجوم و قولهم: رمي بالنجم يحتمل أن يكون مبينا على الظاهر للرائي كما في قوله تعالى في الشمس: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ۸۶] و قال الإمام:

إن هذه الشهب ليست هي الثوابت المركوزة في الفلك و الإظهار نقصان كثير في أعدادها مع أنه لم يوجد نقصان أصلا. و أيضا إن في جعلها رجوما ما يوجب النقصان في زينة السماء بل هي جنس آخر غيرها يحدثها اللّه تعالى و يجعلها رجوما للشياطين، و لا يأباه قوله تعالى: وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [الملك:۵] حيث أفاد أن تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها لأنا نقول: كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن المصابيح منها باقية على وجه الدهر أمنة من التغير و الفساد و منها ما لا يكون كذلك و الشهاب من هذا القسم و حينئذ يزول الاشكال انتهى. و الجرح و التعديل بين القولين مفوضان إلى شهاب ذهنك الثقاب، و في أجوبته السابقة رحمه اللّه تعالى ما لا يخفى ضعفه، و كذا شاهدة عليه بقلة الاطلاع على الأخبار الصحيح المشهورة، ألا ترى قوله في الجواب عن ثالث الأسئلة التسعة: إن البعد بين السماء و الأرض خمسمائة عام و أما ثخن الفلك فإنه لا يكون عظيما فإنه مخالف لما نطقت به الشريعة و هذت به الفلسفة، أما مخالفته للأول فلأنه قد صح أن سمك كل سماء خمسائة عام كما صح أن بين السماء و الأرض كذلك، و أما مخلفته للثاني فلأنه لم يقل أحد من الفلاسفة: أن بين السماء و الأرض هذه المسافة التي ذكرها، و الافلاك عندهم مخالفتة في الثخن، و قد بينوا ثخن كل بالفراسخ حسبما ذكر في كتب الأجرام و الابعاد، و ذكروا في ثخن المحدد ما يشهد بمزيد عظمة اللّه جل جلاله لكن لا مستند لهم قطعي في ذلك بل إن قولهم: لا فضل في الفلكيات مع كونه أشبه شي‏ء بالخطابيات يعكر عليه. و قوله في الجواب عن السادس: إنه إنما دام لئلا يقدح انقطاعه في خبر الرسول صلى اللّه عليه و سلم عن بطلان الكهانة فإنه مستلزم للدور إذ الظاهر أنه عليه الصلاة و السلام إنما أخبر بذلك لعلمه بدوام القذف المانع من تحقق ما تتوقف عليه الكهانة. و قوله في الجواب عن الخامس: إن النار قد تكون أقوى من نار أخرى فتبطلها ظاهر في أن الشياطين نار صرفة و ليس كذلك بل الحق أنهم يغلب عليهم العنصر الناري و قد حصل لهم بالتركيب و لو مع غلبة هذا العنصر ما ليس للنار الصرفة و هو ظاهر.

هذا ثم اعلم أنه يجوز أن يكون استراق السمع من الملائكة الذين عند السماء لا من الملائكة الذين بين كل سماء و سماء ليجي‏ء حديث الثخن و استبعاد السماع معه، و يشهد لهذا ما  رواه البخاري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي اللّه تعالى عنهم قالت: «سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: إن الملائكة تنزل في العنان و هو السحاب فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون مع الكلمة مائة كذبة من عند أنفسهم» و لا ينافيه ما رواه أيضا عن عكرمة أنه قال: «سمعت أبا هريرة يقول: إن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: إذا أقضي اللّه تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعانا لقوله سبحانه كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق و هو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع» الخبر، إذ ليس فيه أكثر من سماع المسترق الكلمة بعد قول الملائكة عليهم السلام بعضهم لبعض، و عدم منافاة هذا لذاك ظاهر عند من ألقي السمع و هو شهيد، و أنه ليس في الآيات ما هو نص في أن ما نراه من الشهب لا يكون إلا لرمي شيطان يسترق بل غاية ما فيها أنه إذا استرق شيطان أتبعه شهاب و رمي بنجم و أين هذا من ذاك؟ نعم في خبر الزهري ما يحتاج معه إلى تأمل، و على هذا فيجوز أن يكون حدوث بعض ما نراه من الشهب لتصاعد البخار حسبما تقدم عن الفلاسفة، و كذا يجوز أن يكون صعود الشياطين للاستراق في كل سنة مثلا مرة، و لا يخفى نفع هذا في الجواب عن السؤال الثاني.

و من الناس من أجاب عنه بأنه لا يبعد أن يكون المسترقون صنفا من الشياطين تقتضي ذواتهم التصاعد نظير تصاعد الأبخرة، بل يجوز أن يكون أولئك الشياطين أبخرة تعلقت بها أنفس خبيثة على نحو ما ذكر الفلاسفة من أنه قد يتعلق بذوات الأذناب نفس فتغيب و تطلع بنفسها و فيه بحث. و نقل الإمام عن الجبائي أنه قال في الجواب عن ذلك:

إن الحالة التي تعتريهم ليس لها موضع معين و إلا لم يذهبوا إليه و إنما يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة و مواضعها مختلفة فربما صاروا إلى موضعهم فتصيبهم الشهب و ربما صاروا إلى غيره و لا يصادفون الملائكة فلا يصيبهم شي‏ء فلما هلكوا في بعض الأوقات و سلموا في بعضها جاز أن يصيروا إلى موضع يغلب على ظنونهم أنها لا تصيبهم فيه كما يجوز فيمن يسلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة فيه.

و تعقبه بقوله: و لقائل أن يقول: إنهم إن صعدوا فإما أن يصلوا إلى مواضع الملائكة أو إلى غيرها فإن وصلوا إلى الأول احترقوا و إن إلى الثاني لم يظفروا بمقصود أصلا، فعلى كلا التقديرين المقصود غير حاصل فإذا حصلت هذه التجربة و ثبت بالاستقراء أن الفوز بالمقصود محقق وجب أن يمتنعوا، و هذا بخلاف حال المسافر في البحر فإن الغالب على المسافرين فيه الفوز بالمقصود، ثم قال: فالأقرب في الجواب أن نقول: هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لا تشتهر بسبب كونها نادرة فيما بين الشياطين اه.[۱]


[۱] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، جلد ۷، صفحات ۲۶۹ تا ۲۷۳