الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبينِ (یوسف: ۱)

الف، لام، راء. اين است آيات كتاب روشنگر.

إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (یوسف: ۲)

ما آن را قرآنى عربى نازل كرديم، باشد كه بينديشيد.

خلاصه:

خداوند این سوره را با زبان عربی بیان کرده و در آن هر چه که به کار دین مفید است به صورت آشکار بیان نموده است.

متن تفسیر:

الر الكلام فيه و في نظائره شهير و قد تقدم لك منه ما فيه إقناع، و الإشارة في قوله سبحانه: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ إليه في قول: و إلى آياتُ هذه السورة في آخر، و أشير إليها مع أنها لم تذكر بعد لتنزيلها لكونها مترقبة منزلة المتقدم أو لجعل حضورها في الذهن بمنزلة الوجود الخارجي و الإشارة بما يشار به للبعيد، أما على الثاني فلأن ما أشير إليه لما لم يكن محسوسا نزل منزلة البعيد لبعده عن حيز الإشارة أو العظمة و بعد مرتبته و على غيره لذلك، أو لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه صار كالمتباعد.

و زعم بعضهم أن الإشارة إلى ما في اللوح و هو بعيد، و أبعد من ذلك كون الإشارة إلى التوراة و الإنجيل أو الآيات التي ذكرت في سورة هود و المراد بالكتاب إما هذه السورة أو القرآن، و قد تقدم لك في يونس ما يؤنسك تذكره هنا فتذكر الْمُبِينِ من أبان بمعنى بان أي ظهر فهو لازم أي الظاهر أمره في كونه من عند اللّه تعالى و في إعجازه أو الواضح معانيه للعرب بحيث لا تشتبه عليهم حقائقه و لا تلتبس عليهم دقائقه و كأنه على المعنيين حذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه فارتفع و استتر و لا يعد هذا من حذف الفاعل المحظور فلا حاجة إلى القول بأن الإسناد مجازي فرارا منه، أو بمعنى بين بمعنى أظهر فهو متعد و المفعول مقدر أي المظهر ما فيه هدى و رشد، أو ما سألت عنه اليهود  أو ما أمرت أن تسأل عنه من السبب الذي أحلّ بني إسرائيل بمصر، أو الأحكام و الشرائع و خفايا الملك و الملكوت و أسرار النشأتين و غير ذلك من الحكم و المعارف و القصص.

و عن ابن عباس و مجاهد الاقتصار على الحلال و الحرام و ما يحتاج إليه في أمر الدين، و أخرج ابن جرير عن خالد بن معدان عن معاذ رضي اللّه تعالى عنه أنه قال في ذلك: بين اللّه تعالى فيه الحروف التي سقطت عن ألسن الأعاجم، و هي ستة أحرف: الطاء و الظاء و الصاد و الضاد و العين و الحاء المهملتان و المذكور في- الفرهنك و غيره- من الكتب المؤلفة في اللغة الفارسية أن الأحرف الساقطة ثمانية، و نظم ذلك بعضهم فقال:

هشت حرفست آن كه أندر فارسي نايد همي             تا نياموزى نباشى أندرين معنى معاف‏

بشنو اكنون تا كدام است أن حروف و ياد كير             ثا و حا و صاد و طا و ظا و عين و قاف‏

 و مع هذا فالأمر مبني على الشائع الغالب و إلّا فبعض هذه الأحرف موجود في بعض كلماتهم كما لا يخفى على المتتبع، و لعل الوصف على الأقوال الأول أمدح منه على قول الأخير، و الظاهر أن ذلك وصف له باعتبار الشرف الذاتي، قوله سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وصف له باعتبار الشرف الإضافي و ضمير الغائب للكتاب السابق ذكره فإن كان المراد به القرآن كله كما هو الظاهر المناسب للحال فذاك و إن كان المراد به هذه السورة فتسميته قرآنا لأنه اسم جنس يقع على الكثير و القليل فكما يطلق على الكل يطلق على البعض، نعم إنه غلب على الكل عند الإطلاق معرفا لتبادره، و هل وصل بالغلبة إلى حد العلمية أو لا؟ فيه خلاف، و إلى الأول ذهب البيضاوي قدس سره فتلزمه الألف و اللام و مع ذلك لم يهجر المعنى الأول، و وقع في كتب الأصول أنه وضع تارة للكل خاصة، و أخرى لما يعمه، و البعض أعني الكلام المنقول في المصحف تواترا، و نظر فيه بأن الغلبة ليس لها وضع ثان و إنما هي تخصيص لبعض أفراد الموضوع له، و لذا لزمت العلم بها اللام أو الإضافة إلّا أن يدعى أن فيها وضعا تقديريا كذا قيل و ممن صرح- بأن التعيين بالغلبة قسيم للتعيين بالوضع- العلامة الزرقاني و غيره لكن تعقبه الحمصي فقال: إن دلالة الإعلام بالغلبة على تعيين مسماها بالوضع و إن كان غير الوضع الأول فليتأمل.

و عن الزجاج و ابن الأنباري أن الضمير لنبأ يوسف و إن لم يذكر في النظم الكريم، و قيل: هو للإنزال المفهوم من الفعل، و نصبه على أنه مفعول مطلق، وَ قُرْآناً هو المفعول به، و القولان ضعيفان كما لا يخفى، و نصب قُرْآناً على أنه حال و هو بقطع النظر عما بعده و عن تأويله بالمشتق حال موطئة للحال التي هي عَرَبِيًّا و إن أول بالمشتق أي مقروءا فحال غير موطئة و عَرَبِيًّا إما صفته على رأي من يجوز وصف الصفة، و إما حال من الضمير المستتر فيه على رأي من يقول بتحمل المصدر الضمير إذا كان مؤولا باسم المفعول مثلا، و قيل: قُرْآناً بدل من الضمير، و عَرَبِيًّا صفته، و ظاهر صنيع أبي حيان يقتضي اختياره، و معنى كونه عَرَبِيًّا أنه منسوب الى العرب باعتبار أنه نزل بلغتهم و هي لغة قديمة.

أخرج ابن عساكر في التاريخ عن ابن عباس أن آدم عليه السلام كان لغته في الجنة العربية فلما أكل من الشجرة سلبها فتكلم بالسريانية فلما تاب ردّها اللّه تعالى عليه، و قال عبد الملك بن حبيب: كان اللسان الأول الذي هبط به آدم عليه السلام من الجنة عربيا الى أن بعد و طال العهد حرف و صار سريانيا و هو منسوب الى أرض سورية و هي أرض الجزيرة. و بها كان نوح عليه السلام و قومه قبل الغرق، و كان يشاكل اللسان العربي إلا أنه محرف و كان أيضا لسان جميع من في السفينة إلا رجلا واحدا يقال له: جرهم فإنه كان لسانه العربي الأول فلما خرجوا من السفينة تزوج إرم بن سام بعض بناته و صار اللسان العربي في ولده عوص أبي عاد و عبيل و جاثر أبي ثمود و جديس و سميت عاد باسم جرهم لأنه كان جدّهم من الأم و بقي اللسان السرياني في ولد أرفخشد بن سام الى أن وصل الى قحطان من ذريته و كان باليمن فنزل هناك بنو إسماعيل عليه السلام فتعلم منهم بنو قحطان اللسان العربي، و قال ابن دحية: العرب أقسام: الأول عاربة و عرباء- و هم الخلص- و هم تسع قبائل من ولد إرم بن نوح، و هي عاد و ثمود و أميم و عبيل و طسم و جديس و عمليق و جرهم و وبار و منهم تعلم إسماعيل عليه السلام العربية، و الثاني المتعربة قال في الصحاح: و هم الذين ليسوا بخلص و هم بنو قحطان، و الثالث المستعربة و هم الذين ليسوا بخلص أيضا – و هم بنو إسماعيل – و هم ولد معد بن عدنان بن أدد ا ه.

و قال ابن دريد في الجمهرة العرب العاربة سبع قبائل: عاد و ثمود و عمليق و طسم و جديس و أميم و جاسم و قد انقرض أكثرهم إلا بقايا متفرقين في القبائل، و أول من انعدل لسانه عن السريانية الى العربية يعرب بن قحطان و هو مراد الجوهري بقوله: إنه أول من تكلم بالعربية، و استدل بعضهم على أنه أول من تكلم بها بما أخرجه ابن عساكر في التاريخ بسند رواه عن أنس بن مالك موقوفا و لا أراه يصح ذكر فيه تبلبل الألسنة ببابل و أنه أول من تكلم بالعربية.

وأخرج الحاكم في المستدرك و صححه، و البيهقي في شعب الإيمان من طريق سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رضي اللّه تعالى عنهم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم تلا هذه الآية إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا إلخ ثم قال:  «ألهم إسماعيل عليه السلام هذا اللسان العربي إلهاما».

وقال الشيرازي في كتاب الألقاب: أخبرنا أحمد بن إسماعيل المداني أخبرنا محمد بن أحمد بن إسحاق الماشي حدثنا محمد بن جابر حدثنا أبو يوسف بن السكيت قال: حدثني الأثرم عن أبي عبيدة حدثنا مسمع بن عبد الملك عن محمد بن علي بن الحسين عن آبائه رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين عن النبي صلى اللّه تعالى عليه و سلم قال: «أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل عليه السلام و هو ابن أربع عشرة سنة».

و روي أيضا عن ابن عباس أن إسماعيل عليه السلام أول من تكلم بالعربية المحضة، و أريد بذلك- على ما قاله بعض الحفاظ- عربية قريش  التي نزل بها القرآن و إلا فاللغة العربية مطلقا كانت قبل إسماعيل عليه السلام و كانت لغة حمير و قحطان و قال محمد بن سلام: أخبرني يونس عن أبي عمرو بن العلاء قال: العرب كلها ولد إسماعيل إلا حميرا و بقايا جرهم و قد جاورهم و أصهر إليهم، و ذكر ابن كثير أن من العرب من ليس من ذريته كعاد و ثمود و طسم و جديس و أميم و جرهم و العماليق و أمم غيرهم لا يعلمهم إلا اللّه سبحانه كانوا قبل الخليل عليه السلام و في زمانه و كان عرب الحجاز من ذريته «۲» و أما عرب اليمن- و هم حمير- فالمشهور كما قال ابن ماكولا: إنهم من قحطان و اسمه مهزم و هو ابن هود، و قيل: أخوه، و قيل: من ذريته، و قيل: قحطان هو هود، و حكى ابن إسحاق، و غيره أنه من ذرية إسماعيل، و الجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن و غيرهم ليسوا من ذريته عليه السلام و أن اللغة العربية مطلقا كانت قبله و هي إحدى اللغات التي علمها آدم عليه السلام و كان يتكلم بها و بغيرها أيضا و كثر تكلمه فيما قيل: بالسريانية، و ادعى بعضهم أنها أول اللغات و أن كل لغة سواها حدثت بعدها إما توقيفا أو اصطلاحا، و استدلوا على أسبقيتها وجودا بأن القرآن كلام اللّه تعالى و هو عربي و فيه ما فيه، و هي أفضل اللغات حتى حكى شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أبي يوسف عليه الرحمة كراهة التكلم بغيرها لمن يحسنها من غير حاجة، و بعدها في الفضل على ما قيل: الفارسية الدرية «۳» حتى روي عن الإمام أبي حنيفة رضي اللّه تعالى عنه جواز قراءة القرآن بها سواء في ذلك ما كان ثناء كالإخلاص و غيره. و سواء كانت عن عجز عن العربية أم لا، و روي عن صاحبيه جواز القراءة في الصلاة بغير العربية لمن لا يحسنها و في النهاية و الدراية أن أهل فارس كتبوا إلى سلمان الفارسي أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية فكتب فكانوا يقرؤون ما كتب في الصلاة حتى لانت ألسنتهم.

و قد عرض ذلك على النبي عليه الصلاة و السلام و لم ينكر عليه، نعم الصحيح ان الإمام رجع عن ذلك، و في النفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن و كتابته بالفارسية للشرنبلالي ما ملخصه: حرمة كتابة القرآن بالفارسية إلا أن يكتبه بالعربية و يكتب تفسير كل حرف و ترجمته و حرمة مسه لغير الطاهر اتفاقا كقراءته و عدم صحة الصلاة بافتتاحها بالفارسية و عدم صحتها بالقراءة بها إذا كانت ثناء و اقتصاره عليها مع القدرة على العربية و عدم الفساد بما هو ذكر و فسادها بما ليس ذكرا بمجرد قراءته و لا يخرج عن كونه أميا و هو يعلم الفارسية فقط و تصح الصلاة بدون قراءة للعجز عن العربية على الصحيح عند الإمام و صاحبيه، و أطال الكلام في ذلك، و في معراج الدراية من تعمد قراءة القرآن او كتابته بالفارسية فهو مجنون أو زنديق و المجنون يداوى و الزنديق يقتل، و روي ذلك عن أبي بكر محمد بن الفضل البخاري و مع هذا لا ينكر فضل الفارسية،ففي الحديث «لسان أهل الجنة العربي و الفارسي الدري».

و قد اشتهر ذلك لكن ذكر الذهبي في تاريخه عن سفيان أنه قال: بلغنا أن الناس يتكلمون يوم القيامة بالسريانية فإذا دخلوا الجنة تكلموا بالعربية.

وأخرج الطبراني و الحاكم و البيهقي و آخرون عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم: «أحبوا العرب لثلاث لأني عربي و القرآن عربي و كلام أهل الجنة عربي».

و أخرج أبو الشيخ و ابن مردويه عن أبي هريرة ما يعضده، و لا يخفى على الخبير بمزايا الكلام أن في الكلام العربي من لطائف المعاني و دقائق الأسرار ما لا يستقل بأدائه لسان «۱» و يليه في ذلك الكلام الفارسي فإن كان هذا مدار الفضل فلا ينبغي أن يتنازع اثنان في أفضلية العربي ثم الفارسي مما وصل إلينا من اللغات و إن كان شيئا آخر فالظاهر وجوده في العربي الذي اختار سبحانه إنزال القرآن به لا غير، و قد قسم لنبينا صلى اللّه تعالى عليه و سلم من هذا اللسان ما لم يقسم لأحد من فصحاء العرب،

فقد أخرج ابن عساكر في تاريخه عن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: «يا رسول اللّه ما لك أفصحنا و لم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: كانت لغة إسماعيل قد درست فجاء بها جبريل عليه السلام فحفظنيها فحفظتها».

وأخرج البيهقي من طريق يونس عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه من حديث فيه طول قال رجل «يا رسول اللّه ما أفصحك ما رأينا الذي هو أعرب منك؟ قال: حق لي فإنما أنزل القرآن علي بلسان عربي مبين»،

هذا و جوز أن يكون العربي منسوبا إلى عربة و هي ناحية دار إسماعيل عليه السلام قال الشاعر:

و عربة أرض ما يحل حرامها             من الناس إلا اللوذعي الحلاحل‏

 و المراد لغة أهل هذه الناحية، و استدل جماعة منهم الشافعي رضي اللّه تعالى عنه و ابن جرير و أبو عبيدة و القاضي أبو بكر بوصف القرآن بكونه عربيا على أنه لا معرب فيه، و شدد الشافعي التكبير على من زعم وقوع ذلك فيه، و كذا أبو عبيدة فإنه قال: من زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول.

و وجه ابن جرير ما ورد عن ابن عباس و غيره في تفسير ألفاظ منه أنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطية كذا بأن ذلك مما اتفق فيه توارد اللغات، و قال غيره: بل كان للعرب التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لأهل سائر الألسنة في أسفار لهم فعلقت من لغاتهم ألفاظ غيرت بعضها بالنقص من حروفها و استعملتها في أشعارها و محاورتها حتى جرت مجرى العربي الفصيح و وقع بها البيان، و على هذا الحد نزل بها القرآن.

و قال آخرون: كل تلك الألفاظ عربية صرفة و لكن لغة العرب متسعة جدا و لا يبعد أن تخفى على الأكابر الأجلة، و قد خفي على ابن عباس معنى فاطر و فاتح، و من هنا قال الشافعي في الرسالة: لا يحيط باللغة إلا نبي.

و ذهب جمع الى وقوع غير العربي فيه، و أجابوا عن الآية بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن العربية، فالقصيدة الفارسية لا تخرج عن كونها فارسية بلفظة عربية.

و قال غير واحد: المراد أنه عربي الأسلوب، و استدلوا باتفاق النحاة على أن منع صرف نحو إبراهيم للعلمية و العجمة، ورد بأن الأعلام ليست محل خلاف و إنما الخلاف في غيرها، و أجيب بأنه إذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس و نظر فيه، و اختار الجلال السيوطي القول بالوقوع، و استدل عليه بما صح عن أبي ميسرة التابعي الجليل أنه قال: في القرآن من كل لسان، و روي مثله عن سعيد بن جبير و وهب بن منبه.

و ذكر أن حكمة وقوع تلك الألفاظ فيه أنه حوى علوم الأولين و الآخرين و نبأ كل شي‏ء فلا بد أن تقع فيه الإشارة الى أنواع اللغات لتتم إحاطته بكل شي‏ء فاختير له من كل لغة أعذبها و أخفها و أكثرها استعمالا للعرب و أيضا لما كان النبي صلى اللّه تعالى عليه و سلم مرسلا الى كل أمة ناسب أن يكون في كتابه المبعوث به من لسان كل قوم شي‏ء، و قد أشار الى الوجه الأول ابن النقيب.

و قال أبو عبد اللّه القاسم بن سلام بعد أن حكى القول بالوقوع عن الفقهاء: و المنع عن أهل العربية الصواب تصديق القولين جميعا و ذلك أن هذه الأحرف أصولها عجمية كما قال الفقهاء لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها و حولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية ثم نزل القرآن، و قد اختلطت هذه الأحرف بكلام العرب فمن قال:

إنها عربية فهو صادق، و من قال: إنها عجمية فهو صادق، و مال الى هذا القول الجواليقي و ابن الجزري و آخرون، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في سورة إبراهيم عليه السلام ما يتعلق بهذا المبحث أيضا فليتفطن و ليتأمل.

و احتج الجبائي بالآية على كون القرآن مخلوقا من أربعة أوجه: الأول وصفه بالإنزال، و القديم لا يجوز عليه ذلك، الثاني وصفه بكونه عربيا، و القديم لا يكون عربيا و لا فارسيا، الثالث أن قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا يدل على أنه سبحانه قادر على إنزاله غير عربي و هو ظاهر الدلالة على حدوثه.

الرابع أن قوله عزّ شأنه تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يدل على تركبه من الآيات و الكلمات و كل ما كان مركبا كان محدثا ضرورة أن الجزء الثاني غير موجود حال وجود الجزء الأول.

و أجاب الأشاعرة عن ذلك كله بأن قصارى ما يلزم منه أن المركب من الحروف و الكلمات محدث و ذلك مما لا نزاع لنا فيه، و الذي ندعي قدمه شي‏ء آخر نسميه الكلام النفسي و هو مما لا يتصف بالإنزال و لا بكونه عربيا و لا غيره و لا بكونه مركبا من الحروف و لا غيرها، و قد تقدم لك في المقدمات ما ينفعك هنا فلا تغفل.

لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي لكي تفهموا معانيه و تحيطوا بما فيه من البدائع أو تستعملوا فيه عقولكم فتعلموا أنه خارج عن طوق البشر مشتمل على ما يشهد له أنه منزل من عند خلاق القوى و القدر، و هذا بيان لحكمة إنزاله بتلك الصفة، و صرح غير واحد أن- لعل- مستعملة بمعنى لام التعليل على طريق الاستعارة التبعية، و مراده من ذلك ظاهر، و جعلها للرجاء من جانب المخاطبين و إن كان جائزا لا يناسب المقام.

و زعم الجبائي أن المعنى أنزله لتعقلوا معانيه في أمر الدين فتعرفوا الأدلة الدالة على توحيده و ما كلفكم به، و فيه دليل على أنه تعالى أراد من الكل الإيمان و العمل الصالح من حصل منه ذلك و من لم يحصل، و فيه أنه بمعزل عن الاستدلال به على ما ذكر كما لا يخفى.[۱]


[۱] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، جلد ‏۶، صفحات ۳۶۳ تا ۳۶۷